الرئيسية / منوعات / مجتمع / خمسة هموم على كاهل الشباب الصومالي في الخليج

خمسة هموم على كاهل الشباب الصومالي في الخليج

تتميز الجالية الصومالية في الخليج بأنّها من أقدم الجاليات التي عاشت فيه، وهذا الارتباط يعود إلى زمن بعيد، ومن خلال روابط تاريخية ودينية وثقافية، وعلاقات تجارية واجتماعية، مع شبة الجزيرة العربية، خصوصاً بعد مجئ الإسلام.

وبالرغم من أن الصوماليين ليسوا شعباً عربياً من الناحية العرقية، إلا أنهم الأكثر قرباً للثقافة العربية من بين الأفارقة، ودليل ذلك اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في الصومال، وعضويته في جامعة الدّول العربية، والعلاقة الجيدة بينه وبين دول الخليج.

ويواجه الشباب الصومالي المقيم في دول الخليج، وخاصة من ولدوا فيها أو أتوا إليها وهم أطفالاً عدداً من التحديات والهموم، أبرزها:

أولاً: البحث عن الانتماء لوطن:

تعد المواطنة والانتماء من القضايا القديمة المتجددة، التي ما تلبث أن تفرض نفسها عند كل معالجة لأي بعد من أبعاد التنمية المهمة بالنسبة للشباب على وجه خاص، لهذا يواجه الشباب الصومالي في الخليج تحديات كبيرة، خاصة من هم في الجيل الثالث أو الرابع من الأبناء، الذين ولدوا وتربوا في الخليج ولم يروا الصومال أبدا، ولم يعرفوا ويتحدثوا الصومالية، ولم يفهموا ثقافتها، لذا تجد أن هناك فجوة وفارقاً كبيراً بين الأب وابنه، لأن الأب يريد من الشاب أن يتعلم لغة آبائه وأجداده، ولكن بنفس الوقت لا يجد البيئة المناسبة لذلك، ويعيش الشاب في صدام مع الواقع، وصراع من أجل أن يتعلم لغة وثقافة وطنه ليكون على تواصل مع أرضه.

يواجه هؤلاء الشباب مشكلة في الانتماء، فهم لا يعلمون هل ينتمون إلى المكان الذي ولدوا فيه؟ أم ينتمون إلى وطن آبائهم الذي لم يعرفوه، وتشكل قضية الانتماء هذه تحدياً كبيراً للشباب الصومالي في الخليج.  فإذا علمنا أن الاستثمار في العنصر البشري من العناصر المهمة لنهضة أي بلد، فلا بد إذاً أن يشعر الفرد بالانتماء لوطن ما، يشارك في نهضته ويساهم في تطويره ويخدمه، وهذا ما ينقص الشاب الصومالي، ما يجعله أقرب لشخص بلا هوية أو بهوية مشوشة، هل ينتمي للخليج ليتفانى في خدمته؟ أم ينتمي للصومال فينخرط في عملية إعادة بنائه وإعماره؟

ولجسر هذه الهوة، بدأت الجاليات الصومالية في الخليج لعقد تجمعات ثقافية لأبناء الوطن، وإقامة حفلات لإحياء المناسبات الوطنية، ولتكريس معنى حب الوطن ونبذ العصبية القبلية في هذه المحافل، وجعل الوحدة الوطنية هي الأساس، كيف لا؟ وأبناء الجيل الثالث من الصوماليين الذين تربوا في الخليج ليس لديهم صله مباشرة بما يحصل من تعصبات ونعرات قبلية في الداخل الصومالي؟  وهذه فرصة جيدة لننشر مبدأ التعاون والتلاحم بين القبائل، حتى إذا عاد الأبناء إلى أرض الوطن، عملوا على خلق بيئة مبنية على أسس التعاون والإنتاجية.

ثانيا: الفجوة الثقافية بين الآباء والأبناء

يعد الجانب الثقافي من أهم التحديات التي يمر بها الشباب الصومالي في الخليج، وخاصة الشباب الذين تربوا وعاشوا أغلب وقتهم وسط ثقافة ليست بثقافة آبائهم وأجدادهم، لهذا نجد الصراع الثقافي بين أبناء الوطن المغتربين في الخليج، ولكن دعونا ننظر إلى الواقع الراهن للشباب في الخليج، وهذا الواقع مختلفٌ تماما عن وضع الشباب في أوروبا وأمريكا بشكل عام، حيث أن الشاب الصومالي في الخليج وجد نفسه منذ الصغر في عائلة يسعى الأب فيها جاهدا توفير لقمة العيش، فيخرج منذ الصباح الباكر ولا يعود الا بعد الظهر ليرتاح قليلا ثم يذهب بعد المغرب إلى المقاهي الخاصة بالصوماليين، ولا يعود للمنزل إلا قبل منتصف الليل بقليل.

ماذا عن الأبناء؟ أين هم؟ سنجدهم عند أمهاتهم اللواتي ترعين شؤونهم وتعليمهم، وكأنها هي الأب والأم في الوقت ذاته. وبالنظر لهذا الروتين اليومي، نفهم لماذا عندما يصل الأبناء إلى سن العمل يتوجهون إليه مباشرة، دون مراعاة الابن الأكبر لمسؤوليات المنزل، لأنه لم يكتسبها من أبيه في الصغر، ونجد أن معظم الشباب الصومالي في الخليج وخاصة البنين يفعلون كما كان يفعل آباؤهم، ويعلمون أعمال دونية، وهم لديهم قدرات فكرية وعقلية ممتازة. لأن الأب الذي هو القدوة كان يفعل هكذا.

أعتقد أن الأمهات لم يُقَصِّرْنَ، فهن يعملن بإصرار على إخراج جيل من الأبناء الواعين لواجباتهم تجاه وطنهم وأهلهم،  ويحاولن زرع الطموح فيهم، ولهذا نجد وخاصة في الخليج أن أغلب النساء اللائي يجدن فرصة للتعليم يواصلون تعليمهم ويحصلون على أعلى الشهادات والدراسات.

وبعد فوات الأوان، يطلب الآباء المهملون من أبنائهم أن يتحلّوا بالمسؤولية والهمة من أجل بناء الوطن، أو حتى الاهتمام بأفراد العائلة، ولهم أقول:كان يجب عليكم الاهتمام بالعائلة وتعزيز الثقافة الصومالية ومن بينها اللغة، وتعلّموا أبناءكم الانتماء لأرض الوطن منذ صغرهم.

ثالثا: صعوبات في الاندماج

تعود جذور هذه المشكلة بالأساس إلى أسلوب الحياة في الخليج، والتي تميل للرفاهية، ولعدم اعتياد الأهالي على زيارة الصومال عندما كان الأباء صغاراً، فيجد الشاب نفسه أمام تحديات وصعاب تحتاج منه إلى وقت حتى يستوعبها، مثل: صعوبة التواصل مع المجتمع الصومالي، إذ إن الشباب الصومالي لهم تفكير مختلف عن تفكير أبناء الخليج ولهم اهتمامات مغايرة لاهتمامات هؤلاء، وثقافة ومعرفة وتفكير مختلف تماما عما هو عليه في الخليج، وهنا يأتي الصراع وكيفية الانسجام مع أبناء عمومته وأبناء وطنه.

وهنا يبحث الشاب عن أقرانه ممن نشأوا في الخليج وأحالتهم الظروف إلى العودة للوطن والاستقرار فيه، ويصبح هؤلاء الأقران هم الجسر بينهم وبين الوطن، ويبدؤن بشكل تدريجي في تعريفهم بالصومال وطبيعة الشعب الصومالي.

رابعاً: اتجاه الفتيات للتعليم الجامعي والشباب لسوق العمل

نشاهد في الآونة الأخيرة أن الفتيات الصوماليات وصلن لمراحل متميزة في التعليم العالي، وكذلك في المناصب الإدارية، لأنهن انشغلن في طلب العلم والمعرفة، بتشجيع كامل من أهلهن، فنرى في حفلات التخرج في الجامعات الخليجية تفوُّق الفتيات الصوماليات على الشباب الصوماليين في العدد، وهذه ظاهرة تستحق منا التأمل والتفكير: لماذا عزف كثير من الشباب عن مواصلة التعليم؟ ولماذا يرضى الشاب الصومالي بالأعمال الدونية، وهو يستطيع أن يتعلم ويدرس ويحصل على أرقى المناصب؟

إذا سألت الشباب الصومالي: لماذا لا تكمل الدراسة؟ سوف تجد أحد جوابين، الأول يقول: إنني أعيل عائلة ولا أستطيع إكمال دراستي، وهذا واجب عليه لأنه يعيل عائلته ويساندهم، أما الآخر فيقول لك ببساطة: لا اريد! إذ ليس لديه طموحات وأهداف، وأعتقد أن هذه الشريحة هي المنتشرة، كما لاحظت من خلال اختلاطي بالشباب الصومالي في الخليج.

وهذا الأمر يرجع في رأيي إلى سبب مهم جدا، ويحتاج إلى عمل دراسات ميدانية بين أوساط الشباب الصومالي في الخليج، ألا هو: فقدان القدوة للشاب الصومالي، لا يوجد لدى الشاب الصومالي قدوة أو قدوات شابة يتطلع اليها، ويلبي رغباته الفكرية وينشأ فيه الطموح للعمل والحماس، أعتقد لو توافرت هذه البيئة الفريدة من نوعها لكان الشاب الصومالي في أعلى المراتب الأكاديمية والعملية.

خامساً: هموم الزواج والارتباط

يعتبر هذا الهم هاجس لدى الجنسين على حد سواء، وقد يكون هذا الهم الخامس هو الملخص لجميع الهموم من الانتماء والاندماج الثقافي وصولاً إلى هم التعليم. ويعتبر الزواج هو الهمّ الذي يجمع كل هذه الهموم، لأن الشاب الصومالي في الخليج، يريد أن يرضي أمه وأهله باختيار زوجته من ناحية الانتماء، أي لابد أن تكون صومالية، ومن  الناحية الثقافة يجب أن تكون القبيلة الفلانية، ومن الناحية التعليمية، يجب أن تكون الزوجة أقل من الزوج تعليماً وغيرها من التحديات التي تقع على الشاب في مرحلة الزواج.

كما تواجه الفتيات تحديات كبيرة في اختيار الزوج، فتجد أن البنت انتهت من مرحلة الدراسات العليا، وعليها الارتباط برجل في نفس مستواها الفكري، ولا ترضى برجل لديه عمل فقط بدون فكر، لهذا نجد أن الفتيات الصوماليات في الخليج يتأخرن في الزواج، وأغلبهن وصلن إلى العنوسة.

وكذلك الحال للشباب الصومالي في الخليج، فبدلاً من تلقي الدّعم والمساعدة من الأهل، كتقليل أعباء العرس وتجهيز العروس، نجد أنهم يتفننون في علمية الإكثار من الطلبات وغيرها.

هذه بعض الهموم التي يعاني منها الشباب الصومالي في الخليج، قد تكون صحيحة عند البعض، وقد تكون قابلة للنقض من وجهة نظر البعض الآخر، ولكن هذا واقع الشباب الصومالي بعيون شاب صومالي ولد في الخليج وعاش فيه وتربى مع الصوماليين في الخليج، وعايش ظروفهم وطريقة عيشهم والهموم الذي يعانونها عن قرب.

عن عبد الله فارح

عبد الله فارح
عبدالله محمد فارح ، صومالي مقيم في قطر، ناشط اجتماعي ، وباحث في مجال الإدارة العامة وسياسات التنمية، خريج جامعة قطر 2015 ، وطالب ماجستير في معهد الدوحة للدراسات العليا برنامج الإدارة العامة وسياسات العامة. لديه العديد من المساهمات في المشاريع المجتمع المدني في قطر، شارك في العديد من المؤتمرات كمتحدث ومشارك في قضايا الشباب العربي والصومالي بشكل الخاص . للتواصل : abdulla11.11@hotmail.com

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

4 تعليقات

  1. أحمد نور

    شكراًللأخ الكاتب على هذا المقال الرائع الذي تناول فيه معضلة الجيل الناشئء من الجالية الصومالية في الخليج، إلا أن الإحصائية المذكورة في المقال 900 ألف نسمة، ليست دقيقة من ناحيتين أولاً عدم ذكر المصدر، ثانياً: إذا كانت الإمارات العربيةالمتحدة تشكل أكبر تواجد للجالية الصومالية، إذ تقدر ب 80 إلى 100 نسمة، مع العلم أن عدد دول مجلس التعاون الخليجي 6، فكيف يكون الرقم المذكور صحيحاً؟!

    • عبدالله فارح

      شكرا اخي احمد نور علي كلامك الطيب .
      صحيح كان هناك لبس في موضوع ..
      حاولت قدر الأماكن ان اجد إحصائيات وافيه بخصوص عدد السكان الصوماليين في الخليج ولكن النتائج
      والأرقام متضاربة .
      لهذا اعتمدت علي بحث علمي نشر في الإمارات العربية المتحدة.

      واسم البحث : روابط التاريخية بين شبة الجزيرة العربية وشبة جزيرة الصومال : استراتيجية إقليمية مبنية علي اساس الشراكه .

      منشور عبر الإنترنت. لهذا قلت تلك المعطيات بناء علي ما تم نشرة.. قد تكون الإحصائيات قديمة نوع ما ولكن هي اقرب للواقع كما أشاهد .

      بارك الله فيك
      الكاتب عبدالله فارح

  2. اتفق معك, لاكن من الصعب الحكم على المظهر الخارجي , للرجل الصومالي القديم في تعامله مع أسرته و أطفالة و حياتة, رجال أشداء لا يعرفون الكسل إنما هذة الثقافة الاجتماعية الأسرية الصومالية في بلدك الأم و الرجل لا يشكل عبىء على المجتمع , بالمقارنة مع مجتمع الخليج الذي يعتبر كسلان جدا و عبىء و غير منتج و غير نشط,
    مع كل احترامي لي الأجيال الحالية و القادمة جيل آبائنا لم يكونو مرفهين , و لم يتوفر لهم التعليم العالي لاكنهم اغتربوا للهروب و لكي يبنوا أسره وأبناء لديهم روح انتماء و لا يعانون من العنصريه و لا الطبقية يندمجون في جميع طبقات المجتمع بي فكرهم الراقي هناك من ينجح و هناك من يفشل, لاكن لا تجعل من الرجل الصومالي القديم شماعة لي فشلك ف كل جيل و لة تحدياتة,

    • عبدالله فارح

      مرحبا أخي جامع ،

      شاكر علي تعليقيك وعلى إثراءك للموضوع .

      أعتقد أن الفجوة التي بين الآباء والأبناء لابد أن نجد لها حل مباشر فهذه الفترة ، بسبب أننا مقبلين علي جيل ثالث ورابع في بعض الأسرة من الأبناء الذين لا يحملون هم الوطن ولا يعرفون ثقافتها حتى .

      صحيح أن الآباء لم يكنوا مرهفين كما نحن عليه الآن ولكن هذا يحملن مزيد من المسؤولية فيه كيفية بناء الجيل القادم وتوعيه بمخاطر هذه المشاكل بالمستقبل .

      أتفق معاك فطرحي لهذا الموضوع كان هدفة بأننا يجب أن الا نضع شموع لفشلنا في قضايانا نحن الشباب .

      ولكن المستقبل الشباب الصومالي لا زال بخير بعد تفعال الكبير الذي شدة المقال يبدوا أنه لامس قلوب الكثيرين .
      الحمدالله رب العالمين

      شاكر ومقدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.