الرئيسية / مقالات رأي / كاتب تدوينة “انتظروا حلب الصومال قريباً”: ضحية دعاية أم داعية فتنة؟

كاتب تدوينة “انتظروا حلب الصومال قريباً”: ضحية دعاية أم داعية فتنة؟

في الثامن عشر من ديسمبر 2016، نشر كاتب صومالي تدوينة له على منصة مدونات الجزيرة بعنوان “انتظروا حلب الصومال قريباً” واختار أن يدق طبول الحرب من خلال تدوينته، وأن يواصل الدعاية التي تطلقها الحكومة عبر منابر مثل موقع جوهر وموقع عاصمدا، اللذان يعتبران من أكثر المواقع متابعة من قبل الصوماليين. تلك الدعاية التي تتلخص في أن الصومال يتعرض لمؤامرة خطيرة تتلخص في إسقاط الإسلاميين، وإقصاء عشائر معينة. إضافة لهذه الدعاية انجرف الكاتب وراء أوهامه فبدأ يجمع الحطب لنيران الحرب، ويدعو للاستعداد للحرب ضروس في حال فوز مرشح من غير القبيلة المهيمنة على مقديشو.

وقد تعرّض كاتب التدوينة المذكورة لحملة عنيفة من الانتقادات والشجب، ولكنه في الحقيقة، لم يكن الكاتب يغرد خارج السرب،  غير أنه كان سيء الحظ بعكس الجوقة التي تؤدي هذه الوصلة البغيضة والذين لم يعلق منتقدو الكاتب على ما تطلقه من دعايات تحمل أضعاف ما حملته تدوينة “انتظروا حلب الصومال قريباً”، بل إن بعضهم كانوا من روّاد هذه الدعاية في 2004، وتمخض عن دعايتهم هذه مواجهة بين ما كان يسمى باتحاد المحاكم الإسلامية وبين الحكومة الفيدرالية الانتقالية المدعومة بقوات إثيوبية اجتاحت العاصمة، فما الذي تغيّر وجعل هذا الكاتب ضحية انتقاد  القرّاء الصوماليين؟ ولماذا صوّره بعضهم وكأنه لا يعبر عن  فئة من الشارع “المقدشاوي”؟

في الواقع هناك عدد لا بأس به من الفيسبوكيين ممن يُلمحون أو يُصرحون بأن البلد قد تواجه حرباً أهلية في حال اختار البرلمان الجديد رئيساً من  غير القبيلة المسيطرة على العاصمة، بدعوى أن مقديشو أصبحت مدينة تمثل هذه القبيلة، ومن الطبيعي أن يمتعض سكانها من رئيس لا ينتمي لقبيلتهم، ويقارن البعض بينها وبين الولايات الفيدرالية، طبعا مع الفارق في المقارنة، فمقديشو ما تزال وفق دستور البلد عاصمة الدولة الصومالية، والرئيس هو رئيس للحكومة الفيدرالية وليس حاكم ولاية فيدرالية تسكنها أغلبية قبلية معينة، ولكن المنظومة الذهنية للفرد الصومالي لا تميّز بين الرئيس الذي يُفترض أنّه يمثل الصومال وبين حاكم ولاية يمثل أبناء ولايته، ومع ذلك ما زال البعض يعتبر مقديشو عاصمة للجميع ومدينة تمثل الصوماليين كافة بينما يكتفي الممتعضون سراً أو جهراً من وصول رئيس من القبيلة التي يقال انها المنافسة التقليدية للقبيلة المهيمنة على العاصمة بالصمت، فهم لا يقبلون أن تكون العاصمة للجميع، وفي الوقت نفسه لا يقبلون طرح موضوع تغيير العاصمة وترك الكرة في ملعب البرلمان ورؤوساء الولايات لاختيار مدينة أخرى لتكون عاصمة للجميع! وهذا يعني أن الكاتب بالغ فقط في توقع تبعات اختيار من خارج عشائر هذه القبيلة، وخيّر الناس بينهم وبين الدمار والتهجير والتقتيل، ولم  يشذّ عن المجموعة المتعصبة قبلياً، والمتحيّزة فكرياً من الشارع المقدشاوي، تلك المجموعة التي ترى أن أي تيار أو عشيرة غير التي يؤيدونها لا تصلح للقيادة وستؤدي لحرب أهلية مدمرة!

وإذا حاولنا تفسير هذا الهجوم الشرس على الكاتب وتدوينته فسنجد أن السبب يكمن في أنه نشرها باللغة العربية وعبر منصة عربية لها قاعدة عريضة من المتابعين، فالصوماليون الناطقون بالعربية ينظرون للمنصات الصومالية عادة بعين الاستخفاف، ويتجاهلون أنّها هي صاحبة التأثير الأكبر على الرأي العام الصومالي، بينما في الواقع لا يتابع أغلب الشعب الصومالي تلك المنصات العربية الشهيرة بقدر ما يتابع مواقع تنشر بلغته وبأسلوب يلائم مستوى وعيه، فبحسب تقرير أعدّه أحد الزملاء لموقع تكايا، وجد أن موقع عاصمدا يأتي قبل موقع الجزيرة نت وقبل موقع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي القسم الصومالي، مع العلم أنّه ينشر مقالات وتحليلات أقرب للخزعبلات وبأسلوب شعبوي بعيد عن المهنية، ولكنه مع ذلك كله، يتصدر قائمة أكثر المواقع تصفحاً بين الصوماليين، وكذلك موقع جوهر، الذي يعتبره كثيرون من المواقع الموثوقة المتوازنة، ويستقون منه الأخبار أكثر من غيره، لكنه سقط سقوطاً مدوياً خلال هذه الفترة المفصلية، فأصبحت تقاريره عبارة عن دقّ ناقوس خطر مجيء رئيس لا ينتمي لعشائر القبيلة المسيطرة على العاصمة، ويعدّون العدّة لتهيئة المجتمع “المقدشاوي” لحرب جديدة تستهدف وجوده كما حصل في فترة الرئيس الانتقالي الراحل عبد الله يوسف.(راجع هذا التقرير). علماً ان زوبعة اتحاد المحاكم الإسلامية تشكلت بعد تمهيد دام قرابة عام استخدمت فيه هذه الدعاية نفسها: استهداف الإسلاميين، وخصوصا ممن ينتمون للقبائل المستضعفة، واستهداف مصالح عشائر القبيلة التي تهيمن على العاصمة. وفي التدوينة المذكورة أعلاه يتنبأ الكاتب بتهجير واقصاء مستخدماً لفظ “حتماً” وفي 2004 كان بعض الإعلاميين والسياسيين يرددون عبر الإذاعات المحلية نبوءة مفادها أنّ البيوت المنهوبة ستعاد لأصحابها وسيبقون بلا بيوت.

وقد نجحت هذه الدعاية في جلب تمويل وتعاطف جهات ودول إسلامية وعربية، وحاولت مليشيات اتحاد المحاكم اجتثاث الحكومة، فكانت النتيجة انهم هم من دفع ثمناً باهظاً، ولكن تلك المواجهة هي ما مهّد لفرض خيار وجود حكومة في الصومال رغماً عن إرادة التجار والإسلاميين والمليشيات القبلية. ولكن الوضع تغيّر، فما كان ممكن التصدير لاستجلاب التمويل العربي الإسلامي بات منتهي الصلاحية، ولم يعد السلاح بيد مليشيات قبلية تهدد وصول الحكومة لمقديشو، مع أن زعماءها كانوا وزراء في الحكومة وقتذاك، ولم يعد الإسلاميون قادرين على حمل السلاح وتجنيد الطلاب، طبعا ما عدا حركة الشباب  المجاهدين، كما أن التجار المتوجسين من القوانين والأنظمة التي قد يفرضها نظام وحكومة لا يمكنهم اليوم المجاهرة بدعمهم لأية معارك ضد الحكومة، فضلاً عن وجود قوات حفظ السلام الإفريقية وأكبر قواعدها في مقديشو. ولأن الكاتب فاته ملاحظة التغييرات، جلب اعلى نفسه سيلاً من الانتقادات، وتناسى هؤلاء أنه عبّر عن جزء من رأي عام سائد في مقديشو، ولا يسمع هذا الجزء شيئاً سوى قرع طبول الحرب على رأسهم أطراف سياسية تسعى لفرض نفسها مرة أخرى على كرسي الرئاسة، بعد ممارسات أججت الفتن العشائرية وافتقرت للحكمة والسياسة.

إن عدد من وصلتهم تدوينة الكاتب من الصوماليين أقل بكثير ممن تصلهم ما ينشر في موقعي جوهر وعاصمدا، ومن الواضح أن رسالة الكاتب كانت موجهة في الأساس للجهات العربية التي تطمع المجموعة الحاكمة في الحصول على تمويلها ودعمها. ومع الأسف؛ اختاروا الهجوم عليه دون الإشارة إلى واقع أن ما ذكره ما هو إلا تعبير فج وصادم عن رأي طيف مؤدلج سياسيا ومتعصب قبلياً في العاصمة، بينما كان عليهم التركيز على انتقاد هذه المواقع وبيان تأصيلها للتفرقة والعنصرية والتي تعمل باجتهاد لإشعال الحروب وتحريض الناس بعضها على بعض.

وربما يكون من دواعي هذ الهجمة الشرسة أن الأصدقاء الذين أراد الكاتب المسكين التعبير عن رأيهم ونقل صوتهم لم يريدوا أن يكشف عوراتهم بهذه الطريقة، فلم يكن هذا الكاتب إلا مثل ذلك الدّب الذي قرر حماية صديقه، فرأي ذبابة تحط على أنفه، فرفع صخرة كبيرة وهوى بها في وجه صاحبه، وكانت نيته فقط قتل الذبابة فقتل صاحبه. فهو بدلاً من تدبيج تدوينة تؤكد أن عودة رفاقه للحكم تصب في صالح الاستقرار والسلم الأهلي، لأنهم “إسلاميون” ولأن انتماء مرشحهم القبلي يساهم في تقبله أكثر في العاصمة، كما فعل غيره من الزملاء في مركز مقديشو للدراسات على سبيل المثال، وذلك في حديثهم عن فرص حسن شيخ محمود وشريف شيخ أحمد، غير أنّ الكاتب لقلة خبرته وتمرسه-ربما-اختار التركيز على منافسه الأبرز وإظهار مخاوف لم يكن أصدقاؤه ليظهروها بهذه الفجاجة مهما كلّفهم الأمر..فأصابهم في مقتل دون قصد، ما أجبرهم على التبرؤ منه ومن تدوينته البائسة ليتركوه وحده يواجه هذه الانتقادات.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

متلازمة الإنتماء (2/1)

في فضاء الفكر الحر ووفقاً لأبسط معايير حقوق المواطنة لا يمكننا حجب رؤية الآخر، ولا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.