الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / من كاسترو إلى بن لادن… هل كُتب على مناهضي الغرب الفشل؟

من كاسترو إلى بن لادن… هل كُتب على مناهضي الغرب الفشل؟

ليست اللحية المعفية وحدها ما يجمع الرفاق اليساريين بالإخوة المجاهدين، فالتيار اليساري الذي اجتاح مدّه العالم في خمسينيات القرن الماضي إلى سبعينياته يشترك كثيراً مع التيار الجهادي الذي يجتاح مدّه العالم الاسلامي-على الأقل- منذ العقود الأخيرة ووصل أقصى درجاته الآن، منها الارتكاز شبه الكامل على القوة كوسيلة ثورية/جهادية لتمكين مشروعهم، وتحقيق أحلامهم، لكن الأهمّ من هذا هو حالة العداء العام للغرب والذي يحتل مكانة مركزية في سردية كلا المدرستين.

إنّ مقولات الإمبريالية الغربية ورأسماليتها المتوحشة التي لا تفارق خطاب وعقلية اليسار، تحضر في العقلية الجهادية لكن بتعبيرات أخرى كالصليبية الغربية ومشروعها الاستعماري، ورغم الاختلاف الجوهري بين المنبع الديني للفكر الجهادي والمنبع العلماني للفكر اليساري، إلا أننا نجد أن جوهر العداء للغرب واحد عندهما وحاضر بوضوح في خطاباتهما ومشاريعهما.

هذا التفكير الذي يستحضر الغرب كتحدٍ دائم أمام أي حركة/نظام من دائرة هذين التيارين، أنتج حالة من المواجهة الدائمة مع المنظومة المسيطرة على مقاليد الأمور في المجتمع الدولي (الأمم المتحدة/ مجلس الأمن/ المحاكم الدولية/ مؤسسة النقد الدولي/ البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية… الخ)، والتي أيضاً تمتلك تسعين بالمئة من أوراق اللعبة كحلف الناتو على سبيل المثال، هذا إذا استثنينا حالات التحالف المؤقتة والموضوعية بين الخصمين، مثل التحالف بين السوفييت والغرب ضد النازية في الحرب العالمية الثانية ومثله الذي جمع الجهاديين أمثال بن لادن مع الغرب في اأفغانستان ضد الحكم الشيوعي والاحتلال السوفييتي معا.

حالة المواجهة الدائمة هذه توفر للأنظمة اليسارية والجهادية (طالبان أفغانستان مثلا)  مجالاً واسعاً للتهرب من الاستحقاقات والمسؤوليات أمام شعوبها مثل التنمية الشاملة، ورفاهية العيش، والحقوق الأساسية، والحريات العامة، والحكم الرشيد… الخ، وتعطيهم المبررات التي تبدأ بشعارات مثل (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ولا تنتهي بمتلازمة المؤامرة الدولية أو الكونية حسب الحاجة بشكل مستمر. أما في حالة الحركات التي لم تصل إلى مرحلة تأسيس النظام فلها النصيب الأوفر من التستر وراء ذريعة محاربة الغرب، فهي إما ثورية/جهادية عظيمة تواجه هذا العملاق أو ضعيفة يضطهدها هذا الغول، ولا مجال للإخفاق فضلا عن المحاسبة، لأن الكفار/الإمبرياليبن هم السبب في كل الإخفاقات ومسؤولون عن كل فشل.

بغض الطرف عن مدى صحة وواقعية وصلاحية إاسلامية وجدية وأهمية مشروعهم، من الواضح جداً إخفاق الجهاديين في مواجهتهم مع الغرب وحلفائه أو عملائه كما يُطلق عليهم في الخظاب الجهادي، والنمودج العراقي والصومالي خير دليل على ذلك، حتى طالبان التي قاومت الاحتلال الامريكي ببسالة منقطعة النظير لا تمتلك فيما يبدو تصوراً يصلح لما بعد جلاء المحتل، وأفغانستان مهددة بحرب أهلية جديدة شبيهة بحروب المجاهدين مع بعضهم التي دمرت كابول فى تسعينيات القرن الماضي، لكن نجاحات اليسار التي توالت في الشرق وامريكا اللاتينية بتأسيس جمهوريات ثورية شعبية اشتراكية الخ من المسميات والألقاب البراقة التي يدمن عليها اليسار ويستخدمها بشكل هستيري لم يستطع هذا التيار بكل تجاربه أن يؤسس نموذجا مختلفا قابلا للصمود والمنافسة مع نمودج المجتمع الليبرالي والدولة الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي الغربي المهيمن. فالدول التي حكمتها أنظمة يسارية وحاولت إنجاز نجاحات اقتصادية واضطرت إلى استحداث سياسات ليبرالية أو خليط بين الاشتراكية والرأسمالية واستفادت من أموال ضخمة من العالم الرأسمالي لتنجز قدراً محترماً من التقدم الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، فضلا عن المثال الصيني الواضح، وحتى فيديل كاسترو نفسه تراجع  عن بعض سياساته الاقتصادية مثل التي تعلقت بالمستثمرين الأجانب الذين أخرجهم في بداية الثورة، ثم حاول استمالتهم واغراءهم فيما بعد، أما الدول التي واصلت تطبيق النمودج الاشتراكي اقتصاديا الى آخر المطاف شهدت انهيارات اقتصادية وانتفاضات شعبية و لم تخرج من دائرة الفقر المدقع تقريبا.

هاتين المنظومتين المختلفتين في كل شيء والمتشابهتين في عداء الغرب والمواجهة الحتمية معه أخفقتا تقريبا في التمكين لشعاراتهم، فالجهاديين لم يستطيعوا رفع التحدي الى مستوى يشكل خطرا فعليا على المنظومة الغربية، وأخفق اليسار في صناعة نموذج ناجح، فهل كتب على من يناهض الغرب الفشل؟!.

عن عبداللة راجي السيد

عبداللة راجي السيد

شاهد أيضاً

القدس…التي لم نحافظ عليها كالرجال!

عن أرض العروبة والإسلام أحدثكم … ورثنا عن أجدادنا أراض واسعة الأفق غناءة ذات مواقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.