الرئيسية / قراءة في كتاب / بناء سنغافورة: المفهوم والأسطورة

بناء سنغافورة: المفهوم والأسطورة

معلومات الكتاب:

عنوان الكتاب: بناء سنغافورة: النخبوية والإثنية ومشروع بناء الأمة

المؤلف: أزلاتكو إسكربس ومايكل  دي. بار

ترجمة: حازم نهار

تاريخ النشر: 2011.

عدد الصفحات: 510

%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b3%d9%86%d8%ba%d8%a7%d9%81%d9%88%d8%b1%d8%a9

إن كتاب “بناء سنغافورة” عبارة عن دراسة مسحية عن عملية بناء هذا البلد والمعضلات التي واجهتها من أجل تحقيق حلم السنغافوريين، وقام المؤلفان بعرض وتحليل الأدلة التاريخية المستمدة من سنوات البحث الأرشيفي والعديد من المقابلات الشفوية.

وقبل خوض في تفاصيل الكتاب يجب أن نعرف إن سنغافورة دولة علمانية متعددة الأعراق، متعددة الأديان، متعددة اللغات، جمعت المفهوم الحديث للمواطنة مع ممارسات تُؤصِّل وتؤكد الهوية الإثنية، ما جعلها بالتالي أقل (حداثة) و(مدنية) مما يمكن أن تظهر عليه للوهلة الأولى. وتعتبر سنغافورة، على نطاق واسع وصحيح، إحدى قصص النجاح في تصفية الاستعمار وموراثاته.

وعلى الرغم من الخطاب الرسمي القائل بأنّ سنغافورة تبعت النموذج المدني في بناء الأمة، فإننا نقول إنه ومنذ حوالي عام 1980 بدأ مشروع بناء الأمة في سنغافورة بالابتعاد عن النموذج المدني (حيث المواطنة ترتكز على النموذج الحديث، الشامل، و(العقلاني) والبعيد عن العناصر البدائية مثل العرق، والإثنية والدين)، إلا أنّ هذا الكتاب يركز على مكامن النقص في تجربة سنغافورة دون التقليل من شأن إنجازاتها.

بناء أسطورة وطنية

منذ أواخر التسعينات، أصبحت “حكاية سنغافورة” الاختزال المعياري للتاريخ الرسمي لسنغافورة، كما كان متوقعا من مشروع النخبة الحاكمة لبناء الأمة بكامله. والمشروع من الناحية النظرية المفهومية هو نتاج أربع رجال:”س. راجار تنام“، و”س. ف ديفان ناير“، و”جورج بو“، و”لي كوان يو“، كان الاثنان الأوائل من سياسي (الجيل الأول) ويمتلكان موهبة صنع الأسطورة، وقد نسب هونغ ليسا لهما فضل إنشاء القالب الأساسي للأسطورة الوطنية في سنغافورة. وجورج يو سياسي من (الجيل الثالث) نجح في السيطرة على أدوار أسلافه ومسؤولياتهم، أما لي كوان يو فهو بالطبع (أب سنغافورة) الذي وضعته براعته السياسية منذ الخمسينات ونتاجه الشخصي وشبه الشخصي منذ أواخر التسعينيات في قلب مرحلة من تاريخ سنغافورة مع صناع الأسطورة.

ويعتمد بناء سنغافورة على ثلاثة جوانب رئيسية:

الأول: العمل على البناء المادي للمباني والطرق،

الثاني: فهم (مفهوم بناء سنغافورة) من خلال إعادة تقييم جوانب الحياة الاجتماعية والتعليمية والسياسية وتشجيع (روح المبادرة)، وتحويل سنغافورة إلى مدينة (عالمية/ كوزموبوليتانية)،

الثالث: العمل على (البنائية السنغافورية) أي التركيز على الأيديولوجية، حيث النخبة الحاكمة تسعى جاهدة لضمان أن رؤيتها للأمة، والمجتمع، والعالم، ولنفسها، ستكون مقبولة من السكان، وأنها سوف تهيمن على الإدراك الاجتماعي لهم على كافة المستويات.

تعتبر سنغافورة النموذج الأكثر إثارة للفضول في بناء الأمة في جنوب شرق آسيا، إذ أن (ملكية الحكومة لمشروع بناء الامة وإدارتها الدقيقة للحياة اليومية والدور الذي لعبته النخبة) هي العناصر الثلاثة الأساسية في هذه العملية المعقدة والمستمرة لبناء الأمة. ورغم أنّها تمتلك القليل من الموارد الطبيعية، إلا أن النخبة الحاكمة تركت سجّلاً مؤثراً من الإنجازات على كافة المظاهر المادية لبناء الأمة، وتعتبر سنغافورة المثال الأكثر نجاحًا للتنمية المادية في المنطقة.

يعتبر الشباب السنغافوري أن الولاء لسنغافورة في نهاية المطاف مشروط بالأداء الاقتصادي والفرص، ونجاح الحكومة في توفير حياة جيدة، مما جعل حكومة سنغافورة تخصص ميزانية كبيرة لمعرفة احتياجات شبابها المسافرين إلى الخارج لتوفر لهم حياة كريمة داخل وطنهم.

مسار بناء الدّولة: خلق هوية وطنية

تساءل جورج يو George Yew –وزير الشؤون الخارجية في سنغافورة أكتوبر 2005 – هل نحن صينيون؟ وأجاب بنفسه: نعم، ثلاثة أرباع السنغافوريين صينيون. ولكننا صينيون بخصائص سنغافورية. نحن متعلمون على الطريقة الغربية، ولكن بخصائص سنغافورية، نحن هنود بخصائص سنغافورية، نحن جنوب شرق آسيويين بخصائص سنغافورية.

وفقاً لإحصائية 2005 يشكل الصينيون 76,8 بالمائة من السكّان، ويشكل الملاييون 13,6 بالمائة، والهنود 8,7 بالمائة، وتندرج الـ 2,1 بالمائة المتبقية تحت مظلة (جماعات إثنية أخرى) وتشمل الأوروبيين واليابانيين والعرب إلخ.

وبالرغم من أنّ التعددية العرقية في سنغافورة هي عبارة عن أيديولوجيا لـ (الوحدة في التنوع) التي تهدف عمودياً وأفقياً إلى الإدماج الاجتماعي، إلا أنّها تختلف جذرياً عن برامج التعددية الثقافي التي نجدها في دول مثل أستراليا وكندا. هذه الدول الأخيرة تدير التنوع بالتشديد على حقوق الأقليات، ونشر برامج سياسية إيجابية للتعويض عن عدم التوازن الموجود في السلطة.

وما يميز التعددية العرقية في سنغافورة هو أنّها تمنح الاعتراف فقط عبر تمييز هويات المجموعات وتثبيتها، دون تمييز رسمي بين الجماعات المسيطرة والجماعات المهمشة. وإحدى نتائج هذه المقاربة أنّها توّطد عدم التوازن الموجود في العلاقات العرقية   وتعيق المجموعات الهامشية من إمكانية الحراك إلى الأعلى.

ويعرض المؤلفان الحجة القائلة بأن نظام التعددية العرقية في سنغافورة متصدع أيضًا على نحو خطير: ذلك أنّها لم تعد معنية في المقام الأول بالتسامح بين الجماعات كما كان حتى في نهاية السبعينيات، بل أصبح لديها برنامج قسري لاستيعاب الأقليات العرقية وإدماجها داخل مجتمع مُسَيطر عليه صينيًا؛ ولا سيما بعد أن بدأ “لي كوان يو” استخدام سلطته كفرصة لإطلاق العنان لرغباته ومشاريعه الخاصة التي ترسخ  الاستيعاب الحيادي للجماعات -نحو مجتمع تهيمن عليه مظاهر علنية من (الصينية أو الهوية الصينية) والعنصر الأكثر بروزًا كان معتقداته حول تفوق (الثقافة الصينية)، و(القيم الصينية) والشعب الصيني.

ويحتوي مسار بناء الأمة على بعدين متضافرين يتوقف كل منهما على الآخر، ويصعب الفصل بينهما عملياً.

  • يعود البعد الأوّل: إلى البناء المادي للبنية التحتية.
  • يعود البعد الثاني: إلى بناء الانتماء لدى المجموعة الوطنية.

وكما يقول المؤلفان فإن مشروع بناء سنغافورة ارتبط بمنظورين رئيسيين، أولاً يرتبط بـ(النخب) وبـ(أفكار حكم الأكفأ) المرتبطة بها، ويضيف المؤلفان: ولا جدال في إنّ النخبة هي مفتاح رئيس في بناء الأمة السنغافورية، فالخطاب الحكومي في سنغافورة يتسم بسمة (نخبوية)، ويمثل انصهاراً متنوعاً من العناصر الرومانسية والبدائية والتكنوقراطية، أما المنظور الثاني فيرتبط بالإثنية، خصوصا من جهة التوتر الحاصل بين العناصر الإثنية/ العرقية والعناصر المدنية المكوِّنة للهوية الوطنية والمنخرطة في عملية بناء الأمة.

رغم استخدام النخبوية كأداة للقيادة والسيطرة إلا أنها ليست مبهمة كما هو الحال لدى تطبيقها في بناء الأمة. وسنغافورة: هي مجتمع حديث ومتعلم وعالمي، وعملَ على برنامج بناء أمته استناداً إلى مبدأ الاستبعاد الضمني، وهو عمل بطولي يعتبر جريئًا جدًا في ضوء العلاقة الإشكالية بين النخبوية والعرقية في سنغافورة المتعددة الأعراق.

ويري لي Lee  أن المهمة الرئيسية للنخبة هي: الإصلاح الفوقي للمجتمع. ويبدو هذا الأمر وكأنه بطاقة نعي لقادة الصف الثاني وللإدارة المتراخية وعدمية الكفاءة، وهذه كانت سمات التجربة السنغافورية أيام تجربة الاتحاد مع ماليزيا كما رآها “لي” ورآها معظم السنغافوريين. وما بعد الانفصال استندت رؤية سنغافورة بوضوح على فكرة النخبوية، وهي: رؤية تحمل تصوراً لقيادة منتقاة وفاعلة وملهمة بتعاون مباشر مع جهاز حكومي فاعل.

البناء السنغافوري الجديد

يقدم المؤلفان أحد أسباب نجاح سنغافورة في وقت قياسي، وهي بناء جيل من النخبة بعد توفير مؤسسة تعليمية قوية، ولم يكن في تاريخ بناء الأمة وتشكل نخبتها في سنغافورة مؤسسة ذات أثر كبير على حياة السنغافوريين العاديين ومستقبلهم كما كان للمؤسسة التعليمية التي تضمنت مناهجها جوانب كثيرة من برنامج التصيين (Sinicisation) خلال الثمانينيات، وجزء منها عبارة عن حملة لتعليم وتشجيع الكونفوشوسية وكانت تهدف بوضوح إلى جعل الجماعات الصينية في سنغافورة أكثر وعيًا ذاتيًا بـ (صينيَّتها)، ولكن من الطبيعي أن تشعر الأقليات بالاضطهاد، وقدم المؤلفان الدلائل والبراهين المفصلة حول كم أثّر ذلك التحول العكسي على نظام التعليم والعمليات الأوسع لتكوين واختيار النخبة في نظام حكم الأكفأ الذي أصبح مجرد أداة أخرى للاستيعاب.

ويعرض المؤلفان وصفا مختصرا لما يعتقدان أنه يشكل الظواهر الثلاثة التي قادت إلى صياغة النظام التعليمي الحالي، وهي:

  • اعتماد نظام فرز التلاميذ حسب مستوياتهم في عام 1979.
  • الازدواجية اللغوية، أي تعليم اللغة الثانية الإنجليزية إضافة إلى اللغة الأم.
  • دعم مدارس النخبة وإعطائها امتيازات غير خجولة.

ولم يكن هذا النظام التعليمي يخلو من “السلبيات” بحيث أدى نظام فرز الطلاب بحسب الأداء في الامتحانات، إضافة إلى سياسة تعليم اللغة الإنكليزية إلى جانب (اللغة الأم) –وخاصة إنشاء مدارس خطة المساعدة الخاصة SAP schools –إلى التفريق بين الطلاب على أساس توليفة من العرقية والتحصيل الأكاديمي العام، ومهارات اللغة الإنكليزية، وغالباً ما كان ذلك ضد رغبة الآباء الذين قاوموا هذا النظام بكليتهم تقريبًا، وامتعضوا كثيراً من هذا الفرز. ويعتقد المؤلفان أنّ البرنامج التعليمي ما قبل المدرسي الذي تبنته حكومة سنغافورة ما هو إلا برنامج إثني تعسفي مقصود، بالإضافة لكونه برنامجاً للاستيعاب الاجتماعي.

وقد توصل المؤلفان (بعد دراسة تجربة سنغافورة الحديثة) إلى أن الأسطورتين القوميتين الأساسيتين لسنغافورة -تعدد الأعراق وحكم الأكفأ- هي أوهام، وأن الغرض الرئيسي منهما هو تسهيل حكم النخبة التي عينت نفسها بنفسها وإضفاء الشرعية عليها، وقد سيطرت على طبقة الوسطى الصينية عموماً، وعائلة لي Lee تحديداً، والثاني: هو تطبيق برنامج (الاستيعاب غير كامل)، الذي يضم دعوة، وتملقًا، وضغطا على الأقليات العرقية لاعتناق (القيم) المتصَوًّرة من قبل الأغلبية الصينية بشكل فعّال، ويؤكد المؤلفان أن الاستيعاب لن يكتمل أبدًا، وأن الأقليات العرقية سوف تيقى دائمًا خارج نواة مشروع بناء الأمة.

عن محمد سعيد مري

محمد سعيد مري

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الحركات الإسلامية في الصومال: للدكتور عبد الرحمن معلم باديو

معلومات عن الكتاب عنوان الأصلي للكتاب: The Islamic Movement in Somalia: A Historical Evolution with …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.