الرئيسية / قراءة في كتاب / قرآءة في كتاب:”كفاح الغربان” للكاتب: عبدي سعيد عبدي إسماعيل 2-2

قرآءة في كتاب:”كفاح الغربان” للكاتب: عبدي سعيد عبدي إسماعيل 2-2

فى الجزء الثّانى والأخير يسرد تاريخ بعض السّود الثّائرين من الظّلم والاستعباد عندما ضاقت بهم الأرض بما رحبت , وبما أنّهم لم يكن فى مقدورهم غير المقاومة الفكريّة كان لزاما عليهم البحث عن طريقة من شأنها أن تتكفّل بتغيير الصورة النّمطية السلبيّة عن السّود لكنّ الطّامّة الكبرى تتمثّل فى أنّهم لم يكونو يجيدون الكتابة وأنّى لهم ذالك فهم مسلوبى الحرّية والتّفكير.

الأمر الواقع كان يفرض عليهم المسايرة مع المجتمع العربىّ مهما كان حتّى تمكّن بعضهم من اجادة الشّعر ليستخدموها فى النّضال الفكرىّ.

من هنا اكتسبت أشعار السّود أهمّيتها البالغة لكنّها لم تكن كلّها بنفس الأهميّة فهناك من التزم الدّفاع عن قضّيّة المستضعفين كما كان هناك بعض آخر كانو يؤاثرون الاستماتة فى محاولة الانصهار بالمجتمع العربىّ وبأىّ ثمن

لقد كان لشعر الغربان (السّود) سمات أبرزها:

  • الحديث عن اللّون الأسود: يقول سليك بن سلكة عندما ضاق ذرعا برؤية خالته السّوداء تحلب للرّجال وتختلط بهم ليل نهار وفى الوقت نفسه فانّه يستاء من عدم قدرته على عتقها وتخليصها من ذلّ الاستعباد وفى ذالك يقول:

                     أشب الرّأس أنّى كلّ يوم     أرى خالة وسط الرّجال

                     يعزّ علىّ أن يلقين ضيما     ويعجز عن تخلّصهنّ مالى

كانت بعض الأفراد من الأسر الملكيّة العربيّة استبعدو من وراثة العرش لبشرتهم السّوداء من أمّهاتهم السّود ابن شقلة واحمد الرّشيد يمكننا أن نأخذهم كنموذج لهم

يقول سحيم مستاء من لونه الأسود:

                 فلو كنت وردا لونه لعشقتنى           ولكن ربّى شاننى بسواديا

                  فما ضرّنى ان كانت أمى وليدة        تصرّ وتبرأ باللّقاح التّواديا

بينما يروى نسيب الصّغير أنّ معشوقته ميّة عيّرته بلونه الأسود وتجاهلته لذالك السّبب بل ونصحته أن يبحث عن زنجيّة مثله اذ لا يحقّ له التّطاول على أصحاب البشرة الفاتحة وفى ذالك يقول:

               وتقول ميّة ما لمثلك والصّبا            واللّون أسود حالك وغريب

               شاب الغراب وما أراك تشيب         وطلابك البيض الحسان عجيب

                أعلاقة أسبابهنّ وانّما                   أفنان رأسك فلفل وزبيب

فى حين أنّ عنترة بن شدّاد قدح فى أمّه السّوداء ببعض الكلمات النّابية منها:

           وأنا ابن سوداء الجبين كأنّها      ضبع ترعرع فى رسوم المنزل

            السّاق منها مثل ساق نعامة       والشّعر منها مثل حبّ الفلفل

  • الرّثاء: فى الكثير من الأحيان كانو يتعرّضون لتصفيات جسديّة نوعيّة , فهذا سحيم ألقى بمقربة من نار موقدة ليشوى جسده باللّهيب المشتعل قبل أن يتمّ الاجهاز عليه بينما تمّ نزع لسان على ابن جبلّة المعروف بـ (العكوك) من قفاه, فى حين أنّ وجه ابن نخيلة سلخ بعد قتله.
  • الفقر: فهذا سليك بن سلاكة يذكر أنّه كان يفقد وعيه عندما يشتدّ به الجوع حتّى يكاد أن يموت يقول:

            وما نلتها حتّى تصعلكت حقبة            وكدت لأسباب المنيّة أعرف

           وحتّى رأيت الجوع بالصّيف ضرّنى    اذا قمت تغشانى لالة فأسدف

كان عنترة بن شدّاد أحد الأبطال المغوارين الّذين لا يشقّ لهم غبار، كان يعتبر نفسه مدافعا عن كرامة القبيلة بما يستوجب من جميع أفراد القبيلة، لكنّ انجازاته فى ميادين المعارك لم تلق صداها عند معشوقته فكانت كثيرا ما تستهزأ ببشرته السّوداء وقوامه النّحيف يقول:

             ضحكت عبيلة اذ رأتنى عاريا       خلق القميص وساعدى مخدوش

             لا تضحكى منّ عبيلة واعجبى       منّى اذا التفت على جيوش

             وعجبت عبيلة من فتى مبتذل        عارى الأشاجع شاحب كالمنصل

             شعث المفارق منهج سرباله          لم يدهن حولا ولم يترجّل

             فتضاحكت عجبا وقالت يا فتى       لا خير فيك كأنّك لم تحفل

  • الحب: يغازل نصيب بن رباح امرأة أحبّها فيقول على استحياء:

             فان أك حالكا فالمسك أحوى      وما لسواد جلدى من دواء

             ولى كرم عن الفحشاء ناءى      كبعد الأرض من جوّ السّماء

              فان ترضى فردّى قول راض    وان تأبى فنحن على السّواء

فى بعض الأحيان وعلى سبيل الانتقام من القصّاصين كانو ينشدون من على حبل المشنقة بعض الأبيات الّتى توحى بعلاقات جنسيّة أقامو مع الحرائر، سواء أكانت علاقة حقيقيّة حدثت بالفعل أم مجرّد ردّ فعل لايلام الظّالمين

يقول سحيم قبيل قتله:

               شدّو وثاق العبد لا يفلتكم             انّ الحياة من الممات قريب

               فلقد تحدّر من جبين فتاتكم           عرق على ظهرالفراش وطيب

ويقول آخر:

              ان تقتلونى فقد أسخنت أعينكم            وقد أتيت حراما ما تظنّونا

              وقد ضممت الى الأحشاء جارية         عذب مقبّلها ممّا تصونونا

              ان تقتلونى تقتلونى وقد جرى            لها عرق فوق الفراش وماء

التّهم كانت جاهزة ضدّ السّود فما ان يتفوّه بكلمات غزل او يعبّر عن حبّه لفتيات العرب حتّى يدان بتهمة القذف والبذاءة وفحش اللّسان ممّا يستوجب الحدّ وهى ثمانين جلدة.

ويروى سحيم قصّته مع ذالك النّوع من المحاكمات التّعسّفيّة فيقول:

              فما السّجن الّاظلّ بيت سكنته         وما السّوط الّ جلدة خالطت جلدا

               أبا معبد واللّه ما حلّ حبّها            ثمانون سوطا با تزيد بها وجدا

وعموما فانّ شعراء السّود أمثال الحيقوتان وسنيح بن رباح وعكيم الحبشىّ اشتهرو بالجرأة فى التّعبير وطرح الأفكار وكذالك الثّقة والاعتزاز بالنّفس فكانت أداة مقاومة تلجم المغرضين وتفحم المزدرين

ذات يوم استفزّ جرير الحيقوتان بقوله:

كأنّه لمّا بدا للنّاس أير          حمار لفّ فى قرطاس

فردّ عليه الحيقوتان:

لئن كنت جعد الرّأس والجلد فاحم       فانّى لسبط الكفّ والعرض أزهر

وانّ سواد اللّون ليس بضائرى          اذا كنت يوم الرّوع بالسّيف أخطر

فان كنت تبغى الفخر فى غير كنهه     فرهط النّجاشى منك فى النّاس أفخر

تأبّى الجلندىّ وابن كسرى وحارث     وهوذة والقبطى والشّيخ قيصر

وفاز بها دون الملوك سعادة            فدام له الملك المنيع الموفّر

ولقمان منهم وابنه وابن أمّه            وابرهة الملك الّذى ليس ينكر

غزاكم ابو يكسوم فى عقر داركم      وأنتم كقبض الرّمل او هو أكثر

ألست كليبيّا وأمّك نعجة                لكم فى سمان الضّأن عار ومفخر

وفى الفصل الأخير من الجزء الثّانى يسرد الكاتب بعض الوقائع التّاريخيّة التى انتفض فيها السّود المستعبدين وأعلنو فيها التمرّد احتجاجا على نكد الحياة مفضّلين الموت بدلا من تعاسة العيش، لم يكن السّود الأفارقة وحدهم مستعبدين فكان هنا أيضا سودا هنود سنديّين نسبة الى بلاد السند فى الهند وكان يطلق عليهم الغجر او الزّط.

وبما أنّ مدينة البصرة حقّقت طفرة اقتصاديّة هالة فى مجالات الزّراعة والصّناعة الحرفيّة ممّا خلق حاجة الى ايدى عاملة ومن هنا جاءت فكرة استقدام السّود للعمالة فى الأشغال الشّاقّة حدثت ثورات متتالية قام بها السّود على فترات زمنيّة لكن الملاحظ أنّ المؤرّخين العرب تجاهلو معظمها ولم يكتبو عنها شىء يذكر.

المؤكّد أنّ أهمّ ثوراتهم ما أطلق عليها “ثورة الزّنوج الأولى” بزعامة على محمد  بين فترة 205-219 هجرى او 820-834 ميلادى و”ثورة الزّنوج الثّانية” خلال فترة 833-869 وكانت هى الأقوى حيث شارك فيها 500000خمسمائة الف من السّود المتمرّدين وتعتبر من أهم ثورة للعبيد على مرّ التّاريخ على غرار ثورة اسبارتكاس الّتى ثار فيها الغجر ضدّ الرّومان واستمرّت لثلاث سنوات فقط  وكان تعداد المتفضين فيها 120000 مائة وعشرين الف.

للعلم؛ فإنّ جميع هذه الثورات أخمدت بعد كفاح مرير اودى بهم الى قتل الآلاف ونفى العدد نفسه عند حدود الرومان يبيدو عن بكرة أبيهم على أيدى الامبراطورية الرومانيّة آنذاك وبذالك لم تنجح هذه الثّورات مجتمعة فى تغيير فكر وسلوك المجتمعات العربيّة تجاه السّود قيد أنملة.

الجزء الأول من قراءة الكتاب: كفاح الغربان

عن محمود عيسى فارح

محمود عيسى فارح
كاتب صومالي

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الحركات الإسلامية في الصومال: للدكتور عبد الرحمن معلم باديو

معلومات عن الكتاب عنوان الأصلي للكتاب: The Islamic Movement in Somalia: A Historical Evolution with …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.