الرئيسية / قراءة في كتاب / قرآءة في كتاب:”كفاح الغربان” للكاتب: عبدي سعيد عبدي إسماعيل 1-2

قرآءة في كتاب:”كفاح الغربان” للكاتب: عبدي سعيد عبدي إسماعيل 1-2

اسم الكتاب: ?Halgankii Tukeyaasha: Sidee Carabtu U Jileen Madowga

المؤلف: عبدي سعيد عبدي إسماعيل

المطبعة ووقت الطباعة: (Abdisaid Publication; First Edition edition (November 11, 2015

عدد الصفحات: 296 صفحة

ضمن فعاليات نادى القراءة فى مقديشو تمّ طرح كتاب Halganka tukayaasha كفاح الغربان (نظرة العرب للانسان الأسود)  قدّمه الأستاذ/ محمّد سعيد مرى.

يشير الكاتب في بداية الكتاب إلى سبب اختياره لمفردة “غربان”- التى أوردها في عنوان الكتاب، ويقول في هذا السياق: أن “الغراب Tukaha” يضرب به المثل في ذكائه الخارق، وسرعة البديهة عند الصوماليين، وتقول أسطورة من التراث الصوماليّ أنّ   الغراب والغراب الأبيض”Xuunsho” قيل لهما: كيف تتعرفان على الأعداء؟ فأجاب الغراب: يمكننى تشخيص المتربّصين لمجرّد تبادلهم النّظرات، أمّا الغراب الأبيض فأجاب: عندما يضع السّهم على القوس حينها فقط يمكننى فهم الوضع.

وعلى عكس هذا المفهوم الصومالي عن الغراب، نجد أن العرب يعتبرونه رمزاً للمصائب والحظ السيء، لأجل ذلك تعمّد الكاتب توظيف مفردة “الغراب” كرمز يمثل أصحاب البشرة الداكنة، والجدير بالاشارة أنّ العرب أنفسهم كانوا ينادون أصحاب البشرة السوداء بـ ” الغربان”.

الكاتب عرفه الكثيرون بكتابه المثير للجدل “ما حقيقة حدّ الرّدّة؟”،  هذا الكتاب نفسه يتّسم بالجرأة والتّحدّى كونه يناقش موضوعاً حسّاساً يتحاشاه الكثيرون، ولأننا لا نحبّ الكلام بسلبيّة عن المجتمعات العربيّة لأسباب دينيّة، تجد بعضنا يستدلّ بما نقل عن النّبىّ عليه السّلام فى حديث موضوع (لاتسبّو العرب فأنا منهم). وتستوقفك فى الكتاب: عذوبة الألفاظ، وسلاسة المعنى، واختيار الكلمات الصوماليّة الأصيلة البليغة من غير أن تصنّع ولا تكلّف.

وينقسم الكتاب إلى جزئين؛ فى الجزء الأوّل؛ يتناول الكاتب نظرة العرب للسّود فيما يستعرض فى الجزء الثّانى ما أسمّاه تمرّد السّود فى وجه العرب المستعبدين – بكسر الباء-.

فى الجزء الأوّل:  يأخذ الكاتب الكثير من الكلمات التى يستخدمها العرب حتّى اللّحظة، كناية عن اللّون الأسود الغير محبوب عندهم من قبيل: الأسمر، الأصفر، الأخضر، الأزرق وحتّى الأبيض عند قولهم : ” يا نهار أبيض “، بمعنى (يا نهار أسود)،  فستق العبيد بمعنى: “ الفول السّودانى”.

لقد كانت العنصرية ضدّ السّود ظاهرة متجذّرة فى المجتمعات العربيّة ومع أنّ الاسلام حاربها بشدّة لكنّها عادت لتظهر وبقوّة من جديد خصوصا فى القرن الثّامن الميلادى،  يتساءل الكاتب ما الذى دهى بالعرب وغرّهم فى هذا الموضوع؟

فى معرض إجابة على التّساءل يعزيها الى أمرين:

  • عبوديّة السّود:  حيث ترى العرب انّه لا يجدر بهم الانتماء الى البشر مثل غيرهم لدونيّتهم وضعفهم.
  • نظريّة الاقليم السّابع:  (وصف كان يطلق على افريقيا السّوداء) والّتى كانو يرون أنّ الجنّ تسكن هذه المنطقة

نظرة احتقار هذه انتقلت عدواها للإنسان الأسود نفسه، فأصبح يبرأ من لونه، وللمفارقة فإنّ السّوداني مثلا يصرّ الكثير منهم بأنّ لونه قمحى وليس أسودا.

تلك النّظرة الدّونية لم تكن وليدة الصّدفة بل نتاج مخزون هائل من الشّحن العنصريّ تناقلته الأجيال العربيّة عصراً بعد عصر، حيث كان الانسان الأسود مرادفا للآتى:

  1. الحيوانيّة: قديما، كان العرب ينسبون إلى أنفسهم كلّ الذّكاء من بين سائر الأمم كما تشيرها مقولة (والى العرب تنسب الفطنة)، لكنّها لم تحدث أن انتقصوا من آدميّة بشري، كما فعلوا ضدّ الانسان الأسود. يقول ابن جبير(614 هجرى): ” السّود أقرب الى الحيوان منه الى الانسان العادى” ويقول “هم أقلّ ذكاء من باقى الآدميّين كما أنّهم عديمو الأخلاق”، يرى نصير الدّين (672 هجرى) ” أنّ الانسان الأسود تربطه العديد من الصّفات بالقرد بينما يختلف عنه فقط باستقامة القامة كالانسان, بيد أنّ القرد أفضل منه فى كثير من النّواحى مثل التّربية والتّدريب !!”.
  1. آكلو اللحوم البشرية:  يقول ابن خلدون “السّود يأكلون لحوم بعضهم البعض” ويضيف “هؤلاء لا يمكن أن نّعدّهم من ضمن البشر”، وتبعه فى ذلك الرّحّالة ابن بطوطة، بينما الحقيقة أن ظاهرة أكل لحم البشر قديمة جدّا فى مجتمعات كثيرة لأسباب ليست المجاعة وحدها وانّما لأسباب أخرى عقدية، انتقاميّة وعقابيّة.
  1. التّجرّد من الدّين: لدى العرب اعتقاد سائد بأنّ جميع الأنبياء لم يكن فيهم أسود واحد بل بعثهم اللّه جميعا من ذرّية سام ويعزون ذلك بأنّ عقل السّود لا يسعفه لتحمّل هذا العبء الكبير وما يترتّب عليها من مسؤوليّة جسيمة كما أنّه غير قادر على التّفريق بين المتناقضات: الخير والشّرّ، الأمانة والغدر، الصّدق والكذب،  الرّبح والخسارة.

يبرّر الرّحالة المقدسى فى كتابه (أحسن التّقاسيم) ص15، وابن حوقل فى كتاب (صورة الأرض) ص19، عدم ارتحالهم الى الممالك الاسلاميّة بزعامة السّود مثل البيجا والزّنج بأنّ فيها أناس يفتقدون الى الأخلاق والقيم وأنّهم فوضويون مع أنّهم معروفين بالوداعة وحسن الضّيافة.

يقول أبو قتادة عند تفسيره لأصحاب الكهف (هم قوم من الزّنج حفاة عراة قلوبهم عمياء يطئون نساءهم ويعاشرونهم مثل الكلاب والحمير) تفسير الجامع الحكيم للقرطبى.

يروى طاووس اليمانى أحد التّابعين كان لا يأكل ذبيحة السّود لأنّه (لا يوجد خير فى زنجىّ أبداً) مصنّف عبدالرّزاق لأبو بكر عبد الرّزاق الصّنعانى المجلّد الرّابع ص485.

  1. يتفاهمون بالنغمات كالحيوان وليس باللّغات: لينفوا عنهم صفة الآدميّة أشاعوا بأنّ السّود يتواصلون ببعض النّغمات  تماما كالحيوانات، وفى ذلك يقول شريف الادريسى فى حديثه عن مدينة دغرغة يسكنها “سود سيّئو الخلقة” كما يطلق عليهم (كلامهم لا يختلف عن التّصفير). فى الجزء الشّمالى من السّودان المنتسبين للعروبة يطلقون على كلام الجنوبيّين “رطانة”،  التي يستخدم للتّعبير عن أصوت الطّيور كناية على العلاقة المزعومة بينهم وبين لغة الطّيور.

يقول الجاحظ فى كتابه البيان والتّبيين (الخطابة شيء فى جميع الأمم، حتّى أنّ الزّنج مفرطو الغباوة وكلال الحدّ وغلظ الحسّ وفساد المزاج لتطيل الخطب وتفوق فى ذلك جميع العجم وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ).

  1. نبات وحيوان المناطق التي يسكنها السود: عندما هاجر بعض العرب الى أراضى السّود شاهدوا النّباتات والحيوانات غير المألوفة فاعتقدو أنّها مرتبطة بدمامة السّود واعتبروها حيوانات مشوّهة ومشئومة فارتأوا مثلا أنّ الغزال نتج عن تزاوج انثى الجمل وذكر الضّبع لذلك فانّ رائد الجغرافيا المسلم ابن خردادبة يرى فى كتابه المسالك والممالك ٨٢٠-٩١٣ (لاشكّ أنّ كلّ من يروح بلاد السّود يصيبه الجرب – حكّ الجلد)
  1. تجارة السّود: من الأشياء  الملفتة للنّظر أنّ السّود لا يعيرون اهتماما للذّهب والنّحاس بقدر ما كانو يهتمّون بالنّحاس والحديد والعاج يقول زكريا القزوينى فى كتابه آثار البلاد ص24 ( السّود فى بلاد الغانا “بلاد الذّهب الخام” يحصدون الذهب كحصد المزارعين للجزر) ويضيف: جهل السّود بالتّجارة يتعدّى ذالك الى كونهم لا يعرفون طرق المعاملة التّجاريّة, البائع والمشترى لا يتعاملون وجها لوجه فى معظم الأحيان بل عن طريق الوسيط. (آثار البلاد) ص23.
  1. الرّقص:  بينما يقول المؤرّخ الغربى جون اوين هونويك 1936-2015 أنّ افريقيا أكثر من مجرّد رقص وغناء، لكنّ فكرة مغايرة لذلك تماما انطبعت لدى العرب فذكرمجرّد اسمهم يكون مرادفا للفسق والرّذيلة والفجور ففى كتاب التّاريخ لليعقوبى يقول: كنعان بن حام بن نوح أوّل من رجع من أولاد نوح الى أعمال قابيل القبيحة وهو الّذى استحدث الملاهى والموسيقى وآلات العزف وبذلك اتّبع الباطل وهوى الشيطان.

 

عن محمود عيسى فارح

محمود عيسى فارح
كاتب صومالي

شاهد أيضاً

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.