الرئيسية / منوعات / قصة قصيرة / في هذه الحياة

في هذه الحياة

في الحياة قد نضعف .. ونتعثر قد نخطئ.. ونفشل، ولكن هناك مواقف وأشخاص نصادفهم في دقائق عابرة يصبحون مصدر إلهام لنا في لحظة حيرة وتشتت …ويشعلون شمعة الأمل في قلوبنا من جديد …

هؤلاء الناس يمرون بجانبنا مرور الكرام لا نعرفهم ولا يعرفون أنهم سيؤثرون بنا حتى النّخاع … إذا تأملنا جيدا سنجدهم حولنا يحبكون قصصهم ويرونها لنا دون أن نشعر بهم.. وأنا هنا لأروي لكم عن إنسان عظيم ورائع ومتفائل ..إنسان تأثرت به كثيرا ..لقد نزع غشاء اليأس الذي كان يغطيني ..ألهمني ..وصار يشجعني دون أن يكون له دراية بالأمر..جعلني أعيد النظر في أمور كثيرة، وفجر في نفسي ألف سؤال وسؤال …مالذي يمنعني من أن أكون مثله ..لم لا  أخرج القوة التي تقبع في داخلي… لم لا أصنع لي حاجزاً وقائياً يقيني من الحزن واليأس ويحميني من الضعف والشتات؟

اسمه محمد هو فتى لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره ..طالب في الثانوية الابتسامة لا تفارقه ..متفائل دائماً لديه حلم كأمثاله ..ولكنه يختلف عنهم كثيرا ولا يشبههم ..لقد تميز عن أشباهه الأربعين بمثابرته وعزيمته التي لم أرى لها مثيلاً ..إعاقته لم تمنعه من أن يحلم ..وأن يخطط لمستقبله ليصبح طبيبا ماهرا في عمله وأن يساعد المعاقين الذين يعيشون الألم ذاته والمعاناة نفسها…ولكي يترك بصمته في حياة كل شخص يائس …ويرسم البسمة على وجوههم

سيعيش من أجل تحقيق ذلك ولن يدع نقصه يعيقه من إكمال دراسته…يعيش في حارتي ..أراه كل صباح يمر بجانب منزلنا ذاهباً إلى مدرسته..أراه وهو  يتألم ويمشي في صعوبة بالغة أن تمشي برجل واحدة وساقك اليمنى مبتورة ..ويدك اليسرى شبه متصلبة ..أمر في غاية الصعوبة ..ويتطلب منك شجاعة كبيرة ..وصبرا ينجب عزيمة لا تقهر …ما شدني إليه هو حبه وتفانيه في اكتساب المعرفة ..رغم سوء حالته البدنية والصحية أيضا إلا أن ذلك لم يثنيه من أن يسابق غيره …لم يمنعه من أن يجلس في الفصل نفسه مع زملائه ..ويأخذ الحصص…أي قوة هذه التي تمتلكها؟ وأي دافع هذا الذي يجعلك أن تنسى أو تتناسى ألمك؟

هذا ما سألته إياه عندما سنحت لي الفرصة في أول مرة كلمته فيها، أجل قابلته عن طريق الصدفة،كان يمشي خلفي دون أن ألاحظه.. إلى أن تعثر بصخرة وتطايرت كتبه وسقط على الأرض توقفت لأرى إن أصابه مكروه جمعت له كتبه المتطايرة لقد رأيته ينهض بقوة متكأ على عكازتيه تمنيت لحظتها لو كنت شابا لأساعده على الوقوف ..تجمدت في مكاني …  دموعي أبت أن تنهمر فتحجرت خوفا من أن يرى الشفقة في عيني ولكن شهقات روحي التي تبكي بحرقة كانت ترتطم بجدار كياني ..بينما كنت غارقة في حزني الملون بالشفقة وقف أخيرا بطلنا الصغير …مد يده وهو يرتجف طالبا أن أعيد له كتبه شكرني مبتسما …سألته إن كنت أستطيع التحدث معه قليلا كنا على مقربة من منزلنا جلسنا على جذع شجرة كانت على جانب الطريق ..كان الخوف ظاهراً في عينيه ..أخبرته ألا يخاف مني فأنا لا أريد سوى أن أعرف حكايته ..حدثته عن حبي للكتابة وأني أحب أن أزرع الأمل والحياة في قلوب الكثيرين ..لم يصدقني عندما قلت له بأنه ألهمني كثيرا  ورفع من معنوياتي ..وساعدني على أن أغلب أحزاني وأن أقف على قدمي من جديد …أخبرني عن حبه للقراءة وأن  يتقن العربية جيدا ..لقد سعدت كثيرا عندما سمعته يقول ذلك ..

وقال لي أيضا أنه لا يحب أن يشعر بأنه معاق وينقصه الكثير ..يريد أن يكون كالبقية في كل شيء، إلا أن الواقع يجعله أن يستيقظ كل صباح على عكس مايحبه …يكره نفسه عندما يعجز عن فعل شيء بسبب إعاقته ..يحب أن يفعل كل شيء لكي يرضي ذاته التي تتجاهل وتتغافل عن الحقيقة …

قلت له هل تعلم يامحمد أن هناك أشخاص أصحاء لا ينقصهم شيء إلا أنهم يفقدون ثقتهم بأنفسهم عند أول عثرة تواجههم في الطريق ..يستسلمون لليأس ويتخلون عن أحلامهم..هم لم يحاولوا مثلك ولم يواصلوا السير ..بل توقفوا من أن يحلموا من جديد ومن التخطيط لها

كل خطوة تخطوها تزداد فيها معاناتك يزداد فيها عذابك ,ولكنك مع كل هذا لا تدع اليأس أن يتسلل إلى داخلك في لحظة ضعف ..لا تتوقف رغم أنك في دربك وحيد، وعائلتك لا تعطيك الدعم الكافي ..ولا ترفع من معنوياتك ..إلا أنك واصلت السير دون أن تنتظر تشجيعا من أحد ولا ثتاء على صبرك  وتفانيك ..ستلتقي بأشخاص قلوبهم معاقة وفكرهم مشلول ..لن يسلكوا طريقة إلا ويأذوك فيها ..لا تستلم لا تتخلى عن أحلامك ..ولا تسمح لطموحاتك بأن تبرد ..أعلم بأنك قد لا تجد من يربت على كتفك .. ويقول لك أحسنت يامحمد …تشجع يامحمد … ولكن مع هذا لا تستلم ..وقد لا تجد أيضا من يمسح لك دمعتك التي تخفيها

بابتسامة …ابتسامتك هي مصدر قوتك وإرادتك يامحمد ..ومنها تستمد شعلة الأمل التي تتقد في داخلك وقودها ..لا تسمح لأحد بأن يشعرك بأنك أقل شأنا منهم ..أعلم بأنك لن تدفن أحلامك كما دفنت ساقك التي بترت أمام ناظريك قبل أعوام عدة ..لا أحد يعلم غير خالقك أي حالة مررت فيها ..وأي مشاعر زلزلتك وأي غيبوبة دخلت فيها ..وكم أيام وساعات كنت تائها بين الحياة والموت ..مترددا وخائفا من أن تعود للحياة برجل واحدة …ومن أن تموت أيضا وأي أحزان وهموم تملكتك تلك الأيام ..ولكنك إستعدت رباطة جأشك وعدت بقوة ..عدت إلى الحياة بروح مطمئنة قانعة بقضاء الله وقدره وأن ماحدث لك كتب قبل خلق السموات والأرض ..قررت بعزم أن تحارب عرقلات دربك الطويل ..وتثبت بأنك تستطيع أن تجعل مالم يحدث أن يحدث ..وأنك مهم كغيرك ولديك دور عليك أن تؤديه وتكون بطل قصتك على مسرح الحياة ..ومهمة عليك أن تنجزها

أجل عليك أن تقاتل من أجل حلمك ..ومن أجل أن تحصل على حصتك في الحياة …

محمد لا تستسلم ..كن صامدا في وجه السيل ..وأسعى دوما لتحقيق أهدافك

تحلى بالصبر ..وكن دائما أنت لأنك صاحب ذو روح جميلة وذو شخصية قوية

كن دائما محمد

ودعته ..وقلبي وعيناي يقصان قصته لكل قلب حساس ..قررت حينها أن أكون مثله وأن أقول دائما لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس

 

عن هيفاء حسين عبد

هيفاء حسين عبد

شاهد أيضاً

ومن أحياها

سبعٌ عجاف وشعب يقدم كقرابين على ضفاف  الجوع والمرض والجفاف، وأرض جرداء إنعـدم فيهـا الماء وعطشى قد حرموا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.