الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / لماذا أهتم بالفلسفة/ أسئلة وقضايا فلسفية 4-4

لماذا أهتم بالفلسفة/ أسئلة وقضايا فلسفية 4-4

الفلسفة والكفر

كما عرضنا في الأجزاء السابقة ان الفلسفة والدين في مر التاريخ لم يتصالحا الا بفترات قصيرة كانت تشبه استعداد لجولات أخرى، هنا سنحاول تحليل هذا الصراع واسبابه ولماذا اصحبت الفلسفة متهمة بالكفر؟
وأريد ان أنبه عندما استخدم كلمة الدين فانا لا اقصد الدين المجرد بل اقصد المتدين وتصرفاته وتفسيراته وميوله.

رأينا تعريف الفلسفة بأنها نشاط ذهني من حيث صياغة الأسئلة والبحث عن الأجوبة، هذا النوع من التفلسف ليس غريبا بل هو غريزة إنسانية موجودة في كل انسان، هل يمكن لهذه الغريزة ان تتصادم مع الايمان الديني؟ هنا ليس بالضرورة ان نجيب بلا او بنعم، بل لابد ان نفهم طبيعة الدين التي قد تكون مخالفة لهذه الغريزة او متوافقة معها.

قبل ان نبدأ لا بد ان نتوقف في مصطلح الكفر، الكفر هنا ليس الكفر السلبي أي انكار الحقائق بدون ادلة وبراهين مقنعة، بل اقصد الكفر الإيجابي رفض الاساطير والخرافات التي صيغت باسم الدين او باسم العلم، وهنا اضع فرضية وهي ان معظم الفلاسفة والعلماء الذين اتهموا بالكفر والزندقة كان كفرهم ينطلق من هذا المنطلق، رفض التفسير الديني الذي يخالف التفلسف العقلي.

صراع التفسير الديني مع التفلسف العقلي

في بدايات التفكير الفلسفي تتقاطع الفلسفة مع الدين في موضوعاتها، لكنها تتقاطع أيضا مع الدين حيث تقصر أدواتها التحليلية فتتبنى النهج الأسطوري في تحليل الكون إلى عناصر أو إلى معاني. لكن عندما تتطور الفلسفة يحدث التقاطع بشكل معاكس اذ يستعير علماء الكلام الأدوات الفلسفية في منهجية العقيدة، وفي شرحها والدفاع عنها.

أدوات التحليل الدين هي أدوات عقلية لأن من يفسر الدين يستخدم عقله في استنباط الاحكام الدينية من النصوص الدينية، فهنا إذا كان هناك تفسير ديني فإن الدين هنا يصبح متغيرا تابعا لعقلية المفسر. والتاريخ يشير الى ان الفلسفة والدين كانا مشتركين في بحث ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقيا) لكن الاختلاف حدث عندما أصبح للدين سلطة ذات نزعة سياسية ومتحالفة مع طبقة اجتماعية وخاصة في القرون الوسطى، تحالفاتها مع الاقطاعيين والبرجوازيين، والتنظير للسلطة السياسية واعطاها الشرعية. هذا من الجانب السياسي، اما الجانب الفلسفي والعلمي يحاول علماء اللاهوت إعطاء الدين صبغة فلسفية وعلمية ويعتمدون على نظريات علمية وأخرى يستنبطونها من الكتاب المقدس. هذه الحالة عقلانية وطبيعية لكن عندما يرفض الدين أي خلاف فكري واي نظرية علمية تخالف اطروحاتها، وتحافظ سلطتها الثقافية والسياسية باسم الدين، فإنها ستتصارع مع العقول. هنا لا نستطيع ان نسرد الحوادث التاريخية لكننا سنشير بعض الحوادث المهمة. الفيلسوفة هيباتيا (370-415) كانت فيلسوفة اسكندرية، اعتبرت الكنيسة انها خطر على الوعي الديني فحرقوها بعدما عذبوها، والسبب ان هيباتيا كانت تنشر أفكارا تخالف مبادئ الكنيسة. وكذلك اعدام جرداونو برونو الذي احرقته الكنيسة بسبب اراءه ومواقفة العلمية والسياسية وتعذيب غاليليو. هذا النوع من التعنت والتوسع في التكفير والتفسيق ووصف المخالفين بالإلحاد والزندقة، ستشوه الدين أكثر. اما في الحضارة الإسلامية فان الصراع لم يكن شرسا مثل ما كان في الغرب و لكن سجل التاريخ تجاوزات باسم الدين مثل ما حدث مع ابن المقفع وتعذيب ابن حنبل وقتل جعد ابن ذرهم والاعتداء على ابن تيمية وابن رشد كل هذه المحن كانت نتيجة عن رفض تفسير ديني يخالف العقل التفلسفي.

نقد الميتافيزيقيا

الدين يقوم على أسس ميتافيزيقية يسمى في ادبيات الدين الغيب وفي الفلسفة ما وراء الطبيعة. كانت الفلسفة الكلاسيكية قائمة على أسس ميتافيزيقية أي الفلسفة الإلهية، وتبحث عن الوجود و الاسرار الالهية والغيب.

وصف فولتير بمقولته الشهيرة “النقاش في الميتافيزيقيا نقاش عقيم”، وكذلك في الشرق الإسلامي رفضها أبو حامد الغزالي في نقده لابن الرشد في تهافت الفلاسفة. اما أشهر من انتقد الميتافيزيقيا هو الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط حيث يضع الميتافيزيقيا امام العقل والتجربة العقلية، والمأخذ الذي يسجله كانط سواء كانت عقلية أم تجريبية هو انها اغفلت النظر في العقل من حيث هو ينبوع كل معرفة، وهذا ما دفعه الى ان ينظر الى العقل في حد ذاته. يتساءل كانط في كتابه الأهم “نقد العقل المخض” هل يمكن للميتافيزيقيا ان تكون علما؟ ولكي يجيب على هذا السؤال كتب هذا الكتاب. يوكد كانط ان العقل البشري في نوع من معارفه هذا القدر الخاص ان يكون مرهقا بأسئلة لا يمكنه ردها لأنها مفروضة علية بطبيعة العقل نفسه ولا يمكنه أيضا ان يجيب عنها، لأنها تتخطى كليا قدرة العقل البشري.

كانط كان يسعى الى ان تكون الفلسفة فلسفة عقلية يمكن ملاحظتها بالعقل وبالإحساس ويدرك تماما ان العقل الإنساني لا يمكن ان يتخلى عن الميتافيزيقيا مرة واحدة اذ يقول ” فان سئمنا من استنشاق هواء فاسدة لن يدفعنا يوما ما الى الامتناع تماما عن التنفس”، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على ان الميتافيزيقيا متجذرة في العقل الإنساني.

الكلمة الأخيرة

ليس بالضرورة ان تشجع الفلسفة الكفر وكل الاحداث التاريخية التي سجلت تجاوزات رجال الدين انما كانت معظمها وان لم تكن كلها لأسباب سياسية ذات علاقة بالسلطة، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، وإن الدين ليس بالضرورة ان يكون مخالفا للعقل، لكن المشكلة تأتي من تطبيق المتدين للدين لأنه هو من يسيء للدين ويعادي مخالفيه باسم الدين، حيث يضيف في الدين تعليمات من عنده يصعب فيما بعد فصلها من الدين الا بجراحات عميقة تفصل الدين عن التدين الثقافي.

الفلسفة كما رأينا هي عمل عقلي والدين لا يمنع من استخدام العقل كما في الإسلام بصورة خاصة بل يشجع ويحتج بأسس عقلية، فكيف يخالف العقلإذا ؟أدرك الفيلسوف المسلم ابن رشد حين قال ” لا يمكن ان يعطينا الله عقولاً ويعطينا شرائعا مخالفة لها “ فيستحيل حتما ان يخلق الله عقلا ثم ينزل شرائعا تخالف هذا العقل. ويجب ان ندرك تماما هنا ان مسالة العقل مسألة نسبية فالعقل لا يستطيع ان يدرك كل شيء فالإنسان يصنع معرفة ناقصة بسبب نقص أدوات الادراك وحتى في الفلسفة أدرك الفلاسفة أمثال ديفيد هيوم والتجريبيين ان العقل لا يمكن لوحده ان يصل إلى المعرفة بل يحتاج الى أدوات مساعدة.

الكفر يكون واجبا عندما يكون الجهل مقدسا والخرافة دينا، عندما تنقلب المعايير الأخلاقية، يجب الكفر كما فعله إبراهيم عليه السلام “كفرنا بكم”، وانا أعتقد ان جميع الفلاسفة الذين رفضوا الدين السائد في مجتمعاتهم انما رفضوا هذا الجهل المقدس ولم يرفضوا الدين ككونه حقيقة الاهية.

أهم المراجع:

ـ هنتر ميد: الفلسفة ومشكلاتها ترجمة فؤاد زكريا

ـ عزمي بشارة: الدين والعلمانية في سياق تاريخي الجزء الأول والثاني

ـ سمير بلكفيف: التفكير مع كانط ضد كانط مساهمة في نقد النقدي

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.