الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / الحلقة المفقودة ما بين سقوط النّظام وتعثر عملية إعادة بناء الدّولة

الحلقة المفقودة ما بين سقوط النّظام وتعثر عملية إعادة بناء الدّولة

من الصعب أن نقوم بتشريح حالة سقوط سياد بري ما لم نرجع إلى الحيثيات التي مهدت الطريق إلى هذا المأزق التاريخيّ الذي نعيش تبعاته حتى اليوم. ففي عام 1973م، أدرك سياد بري أن مفهوم “الدولة State ” لدى الفرد الصوماليّ لا وجود له في أبجديات تراث الأمة الصومالية، وهذه المشكلة قد تتسبب في انهيار هذه الدّولة. فطلب من اللجنة الوطنية لصياغة اللغة الصومالية البحث عن مفردة تحمل نفس معنى “State” في اللغة الصومالية، يقول المؤرخ عبدالقادر “أرومو” في كتابه “تاريخ الصومال Sooyaalka Soomaaliya”:” اختارت اللجنة مفردة (Qaran) كتعبير عن كلمة (State)، ولكنها لم توضح التغيّر الدلالي الطارئ على المفردة القديمة، فكانت النتيجة أن الرسالة لم تصل للمجتمع كما يجب، وفي دراسة قام بها أورمو لمعرفة مدى فهم المجتمع للمفردة الجديدة يذكر أن المستجوبين بدوا غير واثقين من فهمهم للكلمة في سياقها الجديد فهما كاملا وهم يخمنون معانيها تخمينا فقط، وفور إجازة المفردة استخدمتها الأجهزة الإعلامية التابعة للدولة، وكررت الإذاعة المحلية استخدامها. ولكن المفارقة جاءت بمفهوم الذي فهم المجتمع عن المفردة وعن المفهوم الذي اردت الدولة توصيله للمجتمع.

فمن هنا نفهم أن مشكلتنا لم تكن فقط بسبب الإرث الاستعماري؛ الذي نتحجج به دوماً لتبرير أزماتنا المتجدده، وليس بسبب  نظرية المؤامرة التي دائماً نلجأ إليها في أوقات الفشل، بل أبعد من هذا وذاك بكثير، حيث نجد أن أدبيات “دولة” وما يتعلق بها،  لم نعرفها في القرون التى مضت، بل أننا لم ننسلخ بعد عن صفات المجتمع “البدائي” ولم نتحرر من عقلية البادية التي تعطي الأولية لطبقة النبلاء ونؤمن بمنطق القوة “Power” كما اشتهر عند الشعوب التقليدية.

يقول رئيس لبنان الأسبق فؤاد شهاب (1958-1964): “المحافظة على الاستقلال أهم من الحصول عليه”، فمن خلال واقعنا الحالي نستطيع القول اننا فشلنا في المحافظة على الاستقلال، بل أضعنا جهود أجدادنا الذين بذلوا كل طاقاتهم لإخراج الاستعمار من أرض الصومال وأراقوا دماءهم لأجل أن ننعم بالحرية والاستقلال من العدو الغاشم، وأهدرنا كل المكتسبات الغالية التي تحققت في القرن الماضي.

وبعد تجربة الدولة المدنية التى امتدت لـ” تسع” سنوات والتي غدت نموذجاً للديمقراطية الحديثة في إفريقيا التي كانت كثير من دولها تعاني وقتداك من أنظمة ديكتاتورية، دخلت البلاد في ظل نظام سلطوي بدّد ملامح قوة الشعب الصومالي حاول سياد برى ان ينقل الشعب من مجتمع قبلي إلى مجتمع مؤسساتي يؤمن بفلسفة الدولة الحديثة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ولكنه اصطدم بترسبات المجتمع القبلي واعتقد واهما بأنه قبر القبلية حينما دفن “القبيلة” بشكل صوريّ على مرأى الشعب الصومالي، ومنع كل المظاهر التى تدل على القبيلة، ولكن لم تتكل مجهوداته بالنجاح؛ لأن “سياد برى” ببساطة حاول إيقاف ما تراكم لقرون وتوارثته الأجيال في لحظة واحدة. ولم تشفع لنظامه المحاولات والانجازات التى حققها في العشر سنوات الأولى من حكمه لدى معارضيه، فلجأ إلى العنف ضد كل من ينطق بحرف ضده، ما دفع المعارضة لتشكيل جبهات مسلحة تستقوي بقبائلها ووجدت تأيبدا من بعض الدول الإفريقية، وكان من تهم التى وجهت لـ”سياد برى” الاقصائية واستهداف بقبائل معينة على حساب قبيلته. فمن خلال هذه القراءات السريعة لصراع الدولة والقبيلة في الصومال وبمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لسقوط سياد بري نحاول فهم كيفية سقوط نظام “بري” وما الذي تغير منذ سقوطه، وكيف وصلنا إلى مرحلة اللادولة التى نعيشها إلى الآن ومع هشاشة الحكومة الفيدراليّة المتواجدة حاليا في فيلا صوماليا.

نجح نظام سياد بري بعد أن تبني “الاشتراكية العلمية” في بناء منظومة عسكرية قوية، وبلغت قوة الجيش الصوماليّ بدرجة أخاف سياد بري على نفسه، ولكى يتفادي بقوة الجيش شرع إلى شن هجوم على إثيوبيا لأسباب غامضة لم تعرف في ذلك الوقت، وبعد إنتهاء الحرب 1977م رجع الجيش الصومالي مهزوماً وحقق سياد برى استراتيجيته لتقليص قوة الجيش الصومال، وفور رجوع الجيش الصوماليّ إلى البلاد، قام ضباط بمحاولة انقلاب فاشلة، كانت هذه المحاولة بمثابة إنذار لحكومة “سياد برى” بأن القادم أسوأ.

صعود الحركات المسلحة:

لا يختلف اثنان في أن المجتمع الصومالي عاش فترة حرجة خلال فترة سياد برى كما هو حال أغلب الدول التي كانت تعيش تحت وطأة الأنظمة الديكتاتورية، ولم يستطع النظام الشمولي تحقيق تطلعات الشعب، ومن أكبر الأخطاء التي ارتكبها السياسيون الصوماليون كان بناء جبهات مسلحة بأسس قبلية بحتة، وغياب برامج سياسية يديرون بها الوطن- إن تمكنوا من بسط سيطرتهم- فجميع الحركة السياسية رفعت الولاء لنصرة قبيلتها قبل الوطن، ويقول ” محمد حسن علي “ديل”صاحب كتاب: “جذور النزاع الصومالي- دراسة نقدية حول المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الصومال” – متحدثا عن السمات التي جمعت بين الأحزاب/ الحركات السياسية في تلك الحقبة:

  • العصبية القبيلية: ومردها إلى وضوح التبعات التى تفرضها النظم الاجتماعية من واجبات، وإلى طغيان الشعور العصبي على أي عاطفة أخرى تعترض سبيله، فهو كالسيل الجارف العاتي يكتسح كل ما يعترض مجراه.
  • التسلح: يعتبر التسلح أهم سمات الأحزاب السياسية في الصومال في ظل النظام العسكري، حيث لم تكن تهدف فيما مضى للتمتع بهذه السمة.

فقد وقع الحركات السياسية في أخطاء جسيمة أدت إلى وقوع الصومال دوامة من الفوضى وذلك لأنه لم تكن هناك برنامج سياسية واضحة لما بعد سقوط النظام “بري”، فكل جبهة تتحرك استجابة لمتطلبات القبلية التى تنتمي إليها.

فلو قارنا – مثلا – جبهات العسكرية إلى حال حركات وأحزاب سياسية في دول الربيع العربي، نجد الفرق بينهم كبير، ففي تجربة حركة النهضة التونسية التى أسست في عام 1972م، واعترف بها كحزب سياسي في عام 2011م أي بعد اربعة واربعين عاماً من تأسيسها، لم يفكروا في حمل السلاح تحت النظام الاستبداي الذي كان يدير تونس الخضراء، بل عاشوا في المنافي، وقضوا أغلب عمرهم في الخارج، وبعد هروب زين العابدين بن علي رجعوا وخاضوا سباق الانتخابات، وبعد فوزهم لم يقصوا التكتلات السياسية الأخرى بل تنازلوا عن كثير من حقوقهم لأجل مصلحة الشعب التونسي. لماذا اذا لم تفعل الحركات السياسية في الصومال مثل هذا؟ ولماذا كل الأحزاب السياسية فضّلت أخذ السلاح والسعي لاقصاء بقية القبائل الأخرى من المسرح السياسي؟!

الجواب هو أن منطق “التفرد” في تغيير الدولة ومشاورة كل قبيلة في تقرير مصيرها لوحدها هو المنطق الذي ورثناه عن منظومة الحياة القبلية، ومن ثم فإن أفضل وسيلة للتغيير هي استخدام “القوة” وكأنها حروب “ثأرية” كتلك التى يخوضها الرّعاة في البوادي، إن الحقيقة المرّة في الصومال هي: “لا صوت يعلو فوق صوت القبلية”. وهكذا  فشلت حركات التغيير المسلحة في تصحيح مسار الدّولة وانعزل تأثير كل واحدة منها في المساحة الجغرافية التي تسكنها قبيلتها، ولم يحصل أي توافق سياسي لإعادة الدولة بسبب غياب الثقة بين اطرف الصراع.

ما بعد سقوط برى:

 بعد سنة من سقوط سياد برى، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 794، والذي ينص على استخدام كافة الوسائل الممكنة لخلق بيئة آمنة للأعمال الإنسانية في أسرع وقت ممكن، ونزلت طلائع قوات اليونيتاف-البحرية الأمريكية- في شواطئ مقديشو فى 9 ديسمبر 1992م، وانتهت المحاولات الدولية الخجولة لإخراج الصومال من الفوضى السياسية إلى طريق مسدود،  وأخذ الصراع  أبعاداً عشائرية، وأصبحت العاصمة مقديشو مدينة اشباح بعد أن نزح سكانها.

وبالرّغم من أن ما حصل في الصومال أقل ضرواة مما حصل في عام 1994م من إبادة جماعية في رواندا حيث قتل 800 الف من أفراد قبائل التوتسي ومن الهوتو في فترة وجيزة. ولكن بعد تدخل المجتمع الدولي، انتهت خلافاتهم وقدّمت رواندا واحدة من التجارب الاقتصادية الناجحة في افريقيا، وحققت انجازات ملموسة على الصعيد الاقليمي والدولي. ولكن الصومال التي تتمتع بكافة مقومات بناء دولة قوية، شهدت فراغاً سياسياً استمر عشرة أعوام، وما يزال مسار بناء الدّولة متعثراً حتى بعد مرور خمسة وعشرين عاما لأن السياسين لم يتجاوز منطق “العشائر” الحاكم إلى اليوم.

وفي حالة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية تحتاج الدولة إلى نوع خاص من العناية والترشيد، كما أنها تحتاج نوعاً من النمو الطبيعي يضمن لها عبور القنطرة بسلام لكي تحافظ على قوتها وتماسكها، ولكن ما حصل في الصومال كانت قفزة غير رشيدة أدت إلى تفكك كيان الدولة والتفسخ الاجتماعي وبصورة أخرى نحن ندفع الآن تكلفة التحول من مجتمع قبلي إلى مجتمع متحضر وستكون تكلفة التحول باهضة، وليست على مستوى الجيل الحالي وإنما على الأجيال القادمة؛ ان يدفعوا جزء منها. ولسوء الحظ لم تفهم النخبة السياسية أصل المشكلة التى نعانيها منذ 56 عاما، وبهذا يمكن وصف ما حدث بأنه نوع من الفشل “النخبوي”  وهذه هي الحلقة المفقودة التي لم تزل ضبابية لديهم حتى الآن، لأنهم ما زالوا يستميتون في دفاع عن مشاريعهم الفاشلة، وستطول سنوات التحول الاجتماعيى أكثر لأنه لا يوجد جسر يربط بين مفهوم “الدولة”و”القبيلة”.

عن محمد سعيد مري

محمد سعيد مري

شاهد أيضاً

القدس…التي لم نحافظ عليها كالرجال!

عن أرض العروبة والإسلام أحدثكم … ورثنا عن أجدادنا أراض واسعة الأفق غناءة ذات مواقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.