الرئيسية / قراءة في كتاب / سياسة ملء البطون.. قراءة تحليلية 2/2

سياسة ملء البطون.. قراءة تحليلية 2/2

الجزء الثاني: سيناريوهات السعى الى الهيمنة

بعد أن انتهى فرانسوا من سرد تجربة افريقيا مع الدّولة الحديثة وتحدّث عن فشل الاستعمار في تحديد مسار الدّولة في إفريقيا بعد خروجه منها؛ يتطرق إلى سيناريوهات السعى الى الهيمنة ويبدأ بالتشخيص الوضع بحيث يستطيع القارئ وضع تصوّر عن الأوضاع في تلك الدول الواقعة في إفريقيا جنوب الصحراء.

يبدو أن السعى إلى الهيمنة لابد وأن يتأرجح بين قطبين مثاليين: قطبُ التحديث المحافظ الذي يضمن استمرار الجماعات المسيطرة القائمة على نطاق أوسع– “يتغير كل شيء لكي يظل كل شيء كما كان”،كما قال تانكريد فى رواية “الفهد“، وقطبُ الثورة الاجتماعية الذي يسقط  تلك الجماعات لصالح الأتباع السابقين، أو على الأقل لصالح أقلية منهم.

وفي خضم هذا السعي نحو الهيمنة، أراد الاستعماريون فتح قنوات جديدةٍ تنقل أفكارهم وأسلوبهم للسيطرة على الشعوب الافريقيه، فطفقوا يفتتحون مدارس لنخب المجتمع، ليضمنوا استمرارية نهب ثروات المجتمع لصالحهم، وتعطيهم امتياز تمرير أجنداتهم الخبيثة. ففي بورندي، قام الاستعمار بتصعيد نخب التوتسى المزوّدين بالمعرفة الغربية على حساب الارستقراطية التقليدية، وأيضا على حساب كتلة الفلاحين الهوتو والتوتسي على سواء ص 155، وهذه التبعية العمياء وعدم احترام الاستعمار البلجيكي للبنية الديموغرافية أدت إلى حدوث إبادة جماعية وتحارب بين الهوتو والتوتسي .

قضية الأقليات الدخيلة المسيطرة

إنّ ارتباط الأقليات الدخيلة بالكيان الاجتماعي في القارة الافريقية–كرد فعل لاندماجها المتزايد فى الاقتصاد العالمى في المحيط الهندى والغرب– أصبح عنصراً خاصاً بتحولّها إلى فئة. فبعض الجاليات الأجنبية مثل الصينيين والهند صينيين لم تكتسب مركزاً مسيطراً،  ولم تترسخ جذورهم،  وعلى العكس من ذلك تأصلت جاليات أخرى وأصبح وجودهم يمثل أحد الرّهانات الأساسية في السعى إلى الهيمنة؛ مثل المستوطنين الأوروبيين الذين استقروا على الشواطى منذ القرن السادس عشر، وتهجنوا إلى حد كبير على الأقل حتى نهاية القرن  الماضي. وقد تغيرت معطيات اندماجها في المجتمعات الافريقية جرّاء الإيديولوجية الإمبريالية المطعّمة بالعنصرية المتزايدة والمفرطة والغزو العسكرى للقارة،  وقد أسفرت تلك التطورات أولاً عن تدفق القادمين الجدد، خاصة عندما تقرر تحويل الأراضى إلى “مستوطنات” : فى كينيا والروديسيتين وأنجولا و موزنبيق […]  وفي جمهورية جنوب افريقيا التى تجسد سيناريو متأخرًا وانتحاريا للتحديث المحافظ، وتمثّل الصدع الذي أحدثه التخلص من الاستعمار في قطيعة اجتماعية وهجرة للجاليات البيضاء من أنجولا وموزمبيق وكونغو البلجيكية، وبدرجة أقل من غينيا–بيساو وغينيا الاستوائية وغينيا وكينيا.

تدرجات التهادن

على أنه يبدو مع ذلك أن سيناريوهي التحديث المحافظ والثورة الاجتماعية تخللتهما تدرجات كبيرة من التّهادن مهما كان تطرفها في ظل الأوضاع الاجتماعية المذكورة آنفاً. وتبرز قوة التهادنات الضرورية حتى فى قلب أشد سياسات التحدث المحافظ تجانسا. وكان م. كيلسون قد نوّه من قبل  أن الطبقة المسيطرة فى سييرا ليونى لا تتكون ققط من تحالف ومزيج من النخبة التقليدية للزعماء القبليين من جهة، ومن الفئات العليا من النخبة الجديدة “المتعلمة”  من جهة أخرى. فقد فتح اتفاق عام 1951 م وتأسيس حزب شعب سييرا ليونى تحت رعاية الدكتور ميلتون مارجاى و الزعيم الأعلى جوليوس جولاما  الطريق أمام اندماج هاتين الطبقتين من خلال المصاهرة والاختلاط في المدارس وممارسة السلطة. ولوحظ الأمر نفسه في السنغال ونيجيريا. فالسيناريو الوسط أمر لا بد منه في ظل ما أحدثه الاستعمار من تغيير، وما فرضه من تمايز بين الشعوب.ص 186

الاستيعاب المتبادل بين النخب، فرضية السيناريو الوَسَطي

يقدّم الكاتب مثالاً على الاستيعاب المتبادل تجربة الكاميرون، فقد انتهج نظام اهيدجو من فبراير 1958حتى نوفيمبر 1982 نهج نيجيريا في التّهادن، إذ لم تكتف بمساعي جمع ممثلين عن كل مناطق البلاد في المؤسسات التنظيمية، بل حاولت عقد تحكيم حول دوعاوى اللا مساواة بين أصحاب الشرعية التقليديين، وبين من صعدوا في ظل الاستعمار (خريجو المدارس الغربية). ورغم ما للمسألة من مثالب، إلا أنّها محاولة للتحقيق الانصهار والاندماج بين النخب الموجودة على أرض الواقع. ص 188 وقد انتقلت التجربة إلى بقية الدّول الإفريقي.

ومن جهة أخرى، وجدت منصات للاستيعاب المتبادل للنخب على الصعيد الاكاديمي، مثل “جامعة ماكيريري” في إفريقيا الشرقية، و”فورت-هير” في جنوب القارة الإفريقي، وجامعة “فوراى باي”، و”مدرسة وليام بونتي” في افريقيا الغربية وجامعة باريو في شمال نيجيريا، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية أو الدينية.

مجالات وإجراءات الاستيعاب المتبادل: المجتمع السياسي

يقول الكاتب أنّ هناك خمس ممارسات سياسية يبدو أنها تسهم بوحه خاص فى توحيد النخب وتشكيل طبقة مسيطرة، وهي: الايديولوجيا، والزعامة، والبيروقراطية، والانتخابات، والحزب. ووظيفة هذه الممارسات أنّها سبب مانع لغيرها، وليست مترابطة فيما بينها بالضرورة. غير أنّها تشرح آليات تكوين جماعة اجتماعية متجانسة نسبيا. وعلى كل؛ فإن ظاهرة الاستيعاب ليست حديثة. فلم تحدث أبدا قطيعة تامة في ايلشا بين “المتعلمين” في الجهاز الإداري الاستعماري ، وبين التّجار الأميين.  وكان منطق التحالف والأنصار هذا سابقا على دوران المجتمعات الافريقية في فلك الغرب. فقد كانت التيارات الدينية عبر المناطق ومنها الإسلام بالأخص، أدوات قوية لتحقيق “التقارب الاجتماعي”.

تشكيل الكتلة التاريخية فى اعقاب المرحلة الاستعمارية

الثورات السلبية فى جنوب الصحراء :

اقتبس جرامسى مفهوم “الثورة السلبية” من أعمال المؤرخ ف. كووكو المكرسة لثورة نابولى فى عام 1799، وهو مفهوم لا يتميز بوضوح تام ويدور حوله العديد من المناقشات النظرية التي تتحول أحياناً إلى مناظرات حادة.  ويرجع سوء التفاهم أحياناً إلى أن التعبير الذي ورد فى كراسات السجن استخدم على التوالى للإشارة الى مرحلة النهضة ” RISORGIMENTO” الوطنية التاريخية وإلى الملابسات التي أدّت إلى توحيد إيطاليا، ثم إلى تحولّها لدولة فاشلة.كما استخدم لربط بين هذه الدولة والتيلورية الأمريكية.

وبمجرد ترديد حكم جرامسى الغامض أن الثورة السلبية هي ” ثورة بلا ثورة” تتعارض فى ذلك مع ثورة اليعاقبة فى فرنسا، ظلت الخلافات متأججة حول تفسير المعنى الصحيح لهذا المفهوم. فمفهوم حرامسي للثورة السلبية تعني التغيرات التي تمارس البورجوازية من خلالها تفوقها على قوى النّظام القديم أو التي تجمع بها البرجوازية بقية طبقتها حولها. وينطبق هذا المفهوم بالأخص على تلاحم البرجوازية مع الارستقراطية عن طريق الاستيعاب المتبادل. وهذا الأمر الذي لم تتميز به فقط إيطاليا التي نشأت من نهضة وطنية.

وينهى بايار هذا الجزء بتحليل شيق عن مفهوم “الكتلة التاريخية” التي اعتقد الغرب آنداك أنّها جزء من مشاكل القارة الافريقية وينفيها الكاتب بقوله: “لنقل أولاً لا توجد على الأرجح ” كتل تاريخية” فى ظل وضع الوضع الرّاهن في المجتمعات الإفريقية، كتل تاريخية قائمة بالمعنى الدقيق للكلمة بقدر ما لا توجد طبقات مسيطرة وطيدة.”

الجزء الثالث : التحرك السياسى

يقول ج.بالاندييه عن خَلق العشيرة، بالمعنى الانترويولوجى للكلمة، في ظل مجتمع نسبى أنه “مشروع سياسي شامل يتعلق بالقرّابة وحقوق الرجال على النساء، والثروات والعقود النسبية” وينطبق ذلك أيضا على التعديلات اللازمة “للسياسة المحترفة” داخل دولة ما بعد الاستعمار . وترتيب الآليات التي تحكم هذا المشروع  يشبه إلى حد كبير سير التنافس النسبي على الوجه التالى:

المرحلة الأول: تراكم أملاك وسلطات زوجية

المرحلة الثانية : تراكم الأقارب والتابعين

المرحلة الثالثة : تراكم الصيت والنفوذ

المرحلة الرابعة : الانفصال وإضفاء الشرعية النسبية.  ص 275

وهكذا يختصر الكاتب أساليب الاستحواذ في المجتمعات النسبية في سدة الحكم، ويروي أيضاً وقائع تساند معقولية المراحل التي ذكرها.

الماعز يرعى حيثما يتم ربطه

يتوفر لدينا الآن الأساس الذي يدفعنا الى الاعتقاد بأن “الفساد” شأنه شأن النزاعات التى توصف خلافاً للواقع بأنها نزاعات عرقية ، ليس سوى تعبير دارج  لـ”سياسة ملء البطون” وبعبارة أخرى فإن الصراعات الاجتماعية التي يقوم عليها السعي الى الهيمنة والاستحواذ على جهاز الدولة تتخذ شكلاً متميزًا ألا وهو التسابق على الغنيمة التى تشارك فيها أعضاء المجتمع فى مجموعهم – ” اللي فوق ” و”اللي تحت” معا – في عالم الشبكات.

وكان أحد الأحزاب النيجيرية قد اتخذ لنفسه شعارًا : “أنا آكل وأنت تأكل”. ولكن الجميع لا يأكلون على حد سواء كما نتذكر أيضا الحكمة الكاميرونية القائلة: ” الماعز يرعى حيثما يتم ربطه”. ويبدو أن “طقوس التعبئة” في الدولة عقب الاستعمار تترك للمسيطرين وسائل الدفاع  بقوة السّلاح عن مصالحهم المادية مع الزعم فى الوقت نفسه أنهم يذودون عن المثل العليا للتنمية والنظام العام، وبهذا المعنى تكون بالفعل “سياسة ملء البطون” في أفريقيا مسألة حياة أو موت. مسألة حياةٍ اذا استطاع المرء أن يقتطع نصيبه من ” الكعكة الوطنية” دون أن يُكتشف أمره، ومسألة موتٍ إذا تعين عليه أن يكتفى بما يفترض أنه أجر.

وفى نهاية قراءتنا للكتاب نجد أن فرانسو توصل إلى نتيجة مفادها أن الإنثربولوجين الغربيين أخطأوا في تفسير السوسيولوجيا التاريخية للمجتمعات النسبيّة وتأثيرها في اللعبة السياسية في دول افريقيا جنوب الصحراء. وأنّ الفساد ونهب أموال الدولة أدى إلى فشل الدولة ما بعد الاستعمار، وحصول حروبٍ في عديد من الدول الإفريقية نتيجة لسياسة عشائرية تتبعها بعض من الرؤوساء الذي أمسكوا بزمام الدول في عقد الستينات.

الكتاب بشكل عام ماتع وشيق حيث يتناول قضية من أهم قضايا إفريقيا عموماً، و يقدم صوراً حيّة عن وقائع الفساد في القارة. وأرشحه للقارئ  المهتّم بفهم دوافع الصراعات في القارة وأسباب فشل الحكومات وانهيار الدّول التي تأسست بعد الاستعمار، وأدعوه لقرآءته كله دفعة واحدة، بدون أن ينقطع عنه لأن أجزاء الكتاب متداخلة ومفسّرة بعضها لبعض.

اقرأ الجزء الأول.. من هنا

عن محمد سعيد مري

محمد سعيد مري

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الصومال للكاتب: عبدالقادر اوروما

معلومات عن الكتاب: العنوان الأصلي: “Sooyaalka Soomaaliya” المؤلف: عبد القادر اوروما وقت الطباعة: 2005م تقديم: زبيدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.