الرئيسية / قراءة في كتاب / سياسة ملء البطون.. قراءة تحليلية 1/2

سياسة ملء البطون.. قراءة تحليلية 1/2

معلومات عامة

العنوان الأصلي: L’État en Afrique. La politique du ventre

عنوان النسخة العربية: ” سياسة ملء البطونسوسيولوجية الدولة الأفريقية

المؤلف: جان فرانسو بايار

المترجم: حليم طوسون

الناشر: كتاب العالم الثالث

مقدمة:

ويتكوَن الكتاب بصورة عامة من ثلاثة أجزاء؛ حيث يحتوي الجزء الأول على أربعة فصول، والجزء الثاني على ثلاثة فصول، أما الجزء الأخير فيحتوي على فصلين، ويقع الكتاب في 422 صفحة .

ويعالج الكتاب ما اصطلح الكاتب بـ”سياسة ملء البطون”، التى تكشف الستار عن مدى فشل السياسيين الأفارقة في إدارة الدولة مابعد الاستعمار، حيث ربطوا مفهوم الدولة ومزاولة العمل السياسي بالفساد أو بمعنى أدق بالأكل ونهب أموال الدولة. ويقول الكاتب متحدثاً عن سياسي الكاميرون: “فهم يعلمون أن العنزة ترعى حيثما تكون مربوطه” ، وان المُمسكين بزمام الأمور-أي االحكومة- ينون الأكل. وإذا صدر مرسوم رئاسى يقضي بإقصاء مدير أو محافظ من منصبه، فأن دائرة الأصدقاء الضيقة والقريبين للعائلة يفسرون الأمر للقرويين قائلين:”انتزعوا منه الأكل”، وعلى العكس من ذلك إذا تعلق الأمر بتعيين شخص ما في منصب هام يصبح التعليق المظفر :”منحوه الأكل”. ومما يدعو حقا للانزعاج أن صاحب الشأن نفسه الذى تم إبعاده من منصبه أو حصل على ترقية مقتنع فى صميم فؤاد بأنهم انتزعوا منه الأكل أو منحوه إياه.

وسيتناول هذا المؤلِّف في كتابه أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء مع استبعاد بعض بلدانها، مثل السودان، وأثيوبيا، وجزر المحيط الهندي، وجمهورية إفريقيا الجنوبية ومنحدراتها. وقد كرس الكاتب عملياً اهتمامًا أكبر ببعض الدول بالمقارنة مع غيرها لأنها نموذج لأوضاع سياسة أو لأنها كانت موضع دراسات حاسمة بالنسبة لموضوع الكتاب، ويدخل في هذا الاطار السنغال، وغينيا، وساحل العاج، وغانا، ونيجيريا، والكاميرون، والكونغو، وزائير، وكينيا، وتنزانيا، أي مجموع دول ينتمي لها 222 مليون نسمة تقريبًا من بين حوالى 355 مليون نسمة في نطاق الدراسة. ص 13

ويواصل الكاتب حيث يقول: “علمًا بأنّ هناك عدداً من الدول كان يستحق معالجة أفضل، مثل زمبابوي وزامبيا  وبتسوانا، ومالاوي، والصومال، وليبيريا، وبقدر أقل لكل من أنجولا وموزمبيق”.  ص 14

بصورة عامة يقدم لنا الكتاب تحليلاً دقيقاً في أسباب فشل الدول الإفريقية ومسببات هذا الفشل مستشهداً في الدول الواقعة جنوب الصحراء والدّور الخفي للنظام الرأسمالي في فشل عملية تحقيق التنمية المستدامة فى فترة ما بعد الاستعمار .

الجزء الأول : نشأة الدولة

مسرح الظل الخاص بالعرقيات

يستهل الكاتب قبل خوض غمار هذه المسألة بحتمية تطرق المجتمعات الافريقية للسياسية وفقاً لإشكالية تاريخية مما يوجب إجراء “تحليل تفسيري” بالتساؤلات عن علاقة الدولة مع الماضي. ويلقي باللوم على أصحاب “النزعة التنموية” في الستينات، والذين أقروا الدولة بالتكامل الأفقي “القبلي” للجماعات غير المتجانسة التى تم جمعها في اطار إقليمى بشكل متعسف .

ويخبرنا بايار أنّ السياسة القبلية عمومًا تتخذ مظاهر مختلفة من بينها:

  • يغالى السياسي القبلي في سرد صفات وأفضال وأعمال رجال قبيلته وعشيرته الطيبة ويفاخر بها، وينكر عيبوبهم ويحاول التستر عليها باستمرار، وموقفه من القبائل الآخر عكس ذلك تماما.
  • يمارس عادة المحسوبية بالنسبة لأفراد قبيلته وعشيرته، ويتخذ عموماً موقفاً متعصباً إزاء أفراد القبائل والعشائر الأخرى.
  • يحاول منح كافة الامتيازات إسناد كافة المناصب العليا لأفراد قبيلته وعشيرته. وإعفاء ذوويه من تبعات واجباتهم والتزاماتهم، واستثنائهم من الأعمال الصعبة، ومن المهام الخطيرة والأكثر مشقة وإذلالاً […].
  • يزاول هذه المحسوبية فى توزيع المزايا المادية و الخدمات بل ويعتقد القبلى أحياناً أن من ليسوا من أفراد قبيلته وعشيرته أغنياء وسعداء إلى حد كبير بحيث لا يستحقون مساعدته .
  • يتمادى بعض السياسيين فى القبلية إلى حد الاعتراض على الزواج بين القبائل وإلى تفضيل الزواج بين البيض و السود .
  • ويتمثل الشكل الأقصى للقبلية على الصعيد السياسي فى المطالبة بتأسيس جمهوريات ذات استقلال مزعوم، ولكن على أساس قبلي. واذا لم يتسر ذلك الحل، تتم المطالبة ” باتحاد فيدرالي واستقلال ذاتي وإقيلمي “على أن تتم تجزئة السلطة السياسة والإدارية فى إطار طبقي” .

بشكل أو بآخر يقول الكاتب للقارئ أنّ هذه المظاهر عرقلت الدولة الافريقية فى نشأتها الأولى، وكانت سبباً رئيسياً لفشل كثير من الدّول الإفريقية بإدارة دولتهم بصورة عادلة تؤدي إلى الاحتكام للعدالة الاجتماعية، ومن جهة أخرى؛ يحلل الكاتب بصورة تفصيلية دور الجماعات العرقية في السيطرة على الدولة، وتوظيف قوتها عن طريق احتكار المناصب الرئيسية للدولة. ويورد أمثلة حية لكثير من الدّول الإفريقية منها: كينيا والكاميرون ويقول متحدثاً عن ذلك “إن العرقية في إفريقيا دائماً متواجدة في السياسة، ويضيف أنّ العرقية عبارة عن عملية تطورية تشكّل البنية الثقافية والهوية أكثر من كونها بنية محددة وهى لا تنفصل على هذا الأساس. ص 79

دولة اللا مساواة: الصغار والكبار

الدولة في أفريقيا شأنها شأن الدول في القارات الاخرى، فهي الموقع الأصلى لنشأة اللا مساواة، وأن الشركات الغربية الحاصلة على امتيازات الاستغلال ساهمت في إخضاع سكان القرى إلى عمليات زراعية قسرية.

وقد اتخذ مجلس دائرة هاندين غداة استقلال تنجانيفا قراراً ينص على أنّ “كل شخص لا يشارك فى مشاريع التنمية سيعاقب بست جلدات” ص 85، وفى السنغال كان المزارعون الذين لا يسددون القروض التى حصلوا عليها يتعرضون في إحدى الفترات للضرب بالعصى وللرش بالمبيدات الحشرية. يذكر الكاتب أمثلة عديدة فى هذا السّياق مما يؤكد انّ المجتمعات ساهمت بصورة مباشرة على نهب ممتلكات الدولة وذلك بأخذ امتيازات وملكية أراضي الآخرين عنوة.

إن امتلاك طبقة معينة للسُلطة تؤدي إلى السيطرة على سدة الحكم مما يؤدّي في قادم الأيام إلى أن يتحولوا إلى برجوازية منظماتية كما يقول الكاتب: “إن المشاركة فى السلطة تسمح بالسيطرة على الاقتصاد […]  لأنّه من ضروري أن تؤدي هذه السيطرة على الاقتصاد إلى تحويل “برجوازية دولة” أو “ارستقراطية” أو “طبقة سياسية” إلى طبقة مهيمنة تثير محاولات تعريفها مشاكل أكبر من تلك التى تحلّها”. ص 96

وفي نهاية هذه الفصل، يشير الكاتب إلى ما أسماه: نموذج زائير (30 نوفمبر )، الذي كان تحركا طبقياً هدفه وضع أملاك الأجانب في جعبة الساسة وإقصاء الرّغبات الشعبية. وقد أغرق ذلك البلاد فى البلبلة وعملية الهروب مفجعة إلى الأمام  .

الوهم البرجوازي

بوسعنا انّ نعتبر من الآن فصاعدًا وكأمر مفروغ منه أن العلاقة مع الدولة هي التى تمنح فى المقام الأول للعنصر الفاعل القدرة على تجميع الثروات والهيمنة على المجال الإجتماعي .وهنا لابد من ذكر أن السيد موبوتو–ثاني رئيس للكونغو الديمقراطية- إذ يقال أنّه كان يتحكم بشكل مطلق فيما يتراوح ما بين 17 و 22 % من ميزانية الدولة من أجل استخدامه الشخصي. وجمع السيد موبوتو الجانب الأكبر من ثروته عن طريق تصدير النحاس والعاج بالأخص الماس بصفة شخصية، وكان رأسماله المودع فى الخارج يقدر أحياناً بأربع مليارات دولار .ومن جهة أخرى، يعرض بايار نموذجاً آخر عن وهم البرجوازية الأفريقية وهي الأسرة، مثل جومو كينياتا في كينيا فى أواخر الستينات”كأقوى الجماعات ذات المصالح الخاصة، وأكثرها فعالية في أفريقيا الشرقية”. وسار السيد آرب موي على خطى سلفه، وأضاف فلسفتة السياسية الجديدة النيابو (البصمة ، الأثر) .

تشكّلت البرجوازية تاريخياً في أوروبا، وامتدت لعدة قرون بما فيها من تعايش وتصادم. ولكن فكرة “البرجوازية الوطنية” الإفريقية المتمسكة بالانحراف المنهجي الذي ساد فى سنوات الثلاثين الأخيرة لا يفيدنا بشيء عن الطبقات القديمة التى تُعرف من خلالها بتلك الطبقة فى أفريقيا فالمقياس لا يزال النّظام الرأسمالى الدولي. ص 135

إمكانيات قيام الدولة

ينتمى تسلسل نظم اللا مساواة والسيطرة على المدى الطويل إلى فكرة المسار التاريخي ذاته. فوفقا لـ ب. اندرسون، على سبيل المثال فإنّ العهود القديمة والإقطاع “هو الذي جعل الانتقال إلى الرأسمالية “حدثاً فريداً في أوروبا”.

ويكتشف الكاتب من خلال تحليلاته أن مسألة التسلسل سابقة على الاستعمار. وكان في السنغال نظامان متطابقان : نظام الطوائف ونطام الفئات، وفي سياق آخر يقول بايار “فقد حققت اللا مساواة قفزة نوعية بالمقارنة مع القرون السابقة وذلك في غضون بضعة عقود. ولم يحدث من قبل أبدًا أن وجد المسيطرون من السّكان الأصليين تحت تصرفهم هذا القدر من الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية للسيطرة على الخاضعين وضمان استقلالية سلطتهم، وفي نهاية المطاف يكتشف الكاتب أنّ الأمر لا يتعلق بتوالد التسلسلات الاجتماعية القديمة التى أثارت القرن الاخير مبادارات إعادة النظر فيها، ولكن يتوالد الموسع بقدر ما كان متصوراً ولا ممكناً حتى ذلك الوقت. ص 144

وفي نهاية هذ الفصل يجيب الكاتب عن كيفية فشل قيام الدولة في ربوع بلدان الإفريقية التي أدّت لتخلّف دول الإفريقية عن بقية دول العالم، ويقول: إن ذلك الفشل منبعه عدم التواصل الملحوظ قبل الاستعمار وبعده خاصة وأنه لم تكن هناك طبقة ملاك للأراضي يمكنها أن تصبح المرتكز للتحولات والعمود الفقري لعلمية قيام الدولة على غرار أروربا وآسيا وأمريكيا اللاتينية؛ وعلى أية حال فقد فشل الاستعمار منذ البداية فى تحويل الجماعات الأصلية المسيطرة إلى أرستقراطية عقارية، وذلك حيثما كانت البنيات الاجتماعية تبدو مناسبة بدرجة أكبر لتحقيق تلك المعجزة فى يوغندا وزنجبار وشمال نجيريا.

اقرأ أيضا:.. حان دورنا لكي نأكل

عن محمد سعيد مري

محمد سعيد مري

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الصومال للكاتب: عبدالقادر اوروما

معلومات عن الكتاب: العنوان الأصلي: “Sooyaalka Soomaaliya” المؤلف: عبد القادر اوروما وقت الطباعة: 2005م تقديم: زبيدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.