الرئيسية / قراءة في كتاب / قراءة في كتاب “الإختراق الإٍسرائيلي لإفريقيا”

قراءة في كتاب “الإختراق الإٍسرائيلي لإفريقيا”

 

يطرح كتاب “الإختراق الإسرائيلي لإفريقيا”-والذي صدر مؤاخرا عن منتدى العلاقات العربية والدولية في قطر-” لمؤلفه الخبير بالشوؤن الإفريقية الدكتور حمدي عبدالرحمن، قضية الإختراق الإسرائلي لإفريقيا من بداياتها، ويدرس أهداف ومحددات السياسية الإسرائيلية تجاه القارة السمراء، وأهم الأدوات المستخدمة لتنفيذ تلك الأهداف كما يرصد الثابت والمتغير في الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا. ويتّسم الكتاب بنوع من الحيوية نتيجة لمحاولة مؤلفه دمج الجداول والإحصائيات الميدانية بُغية تضمينه أهم المستجدات التي عرفتها تجربة الإختراق الإسرائيلي لإفريقيا.

جاء هذا الكتاب – بعد مقدِّمة المؤلِّف – من ستة فصول وخاتمة ، وضمن كلِّ فصل مباحث: وخصص للفصل الأول تحليل أبرزأهداف ومحددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا، وهي أهداف ترتكز على اعتبارات المصالح والقناعات الإيديولوجية في المنطقة انطلاقا من كون الدولة العبرية كيانا إستعماريا مصطنعا يقوم على ركيزة تورايتية توسعية ترمي في نهاية المطاف الى تأسيس دولة إسرائيل الكبرى, ويبحث ذلك في مبحثين إثنين:

الأول: أهداف السياسة الإسرائيلية في إفريقيا:إنطلاقا من طبيعة نشأتها المصطنعة في المنطقة ومحاولاتها تقويض أسس الأمن القومي العربي يحدد الكاتب خمسة أهداف أساسية تحاول إسرائيل تحقيقها من وجودها في إفريقيا:

1-كسر حدة العزلة الدولية التي فرضتها الدول العربية ومن سار على فلكها على إسرائيل.

2-كسب تأييد الدول الإفريقية من أجل تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بإعتبار الدول الإفريقية بعيدة عن إي انحيازات مسبقة لصالح أي من الطرفين.

3-العمل على تحقيق أهداف أيديولوجية توراتية خاصة بتقديم إسرائيل على دولة نموذج لشعب الله المختار.

4-السعي لتحقيق متطلبات الأمن الإسرائيلي؛من حيث تأمين كيان الدولة العبرية وضمان هجرة اليهود الأفارقة إليها وفقا لقانون العودة, والحيلولة دون أن يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية.

5-بناء قاعدة استراتيجية لتحقيق الهيمنة الإقليمية لإسرائيل على حساب العرب.

ويرى الكاتب بإمكانية تغير ترتيب هذه الاهداف في سلم أولويات السياسة الخارجية الإسرائلية تجاه إفريقيا من مرحلة لأخرى وتعتمد على مدركات صانع القرار الإسرائيلي لطبيعة العوامل الداخل والإقليمية والدولية.

ومن جهة أخرى يلاحظ الكاتب بمحاولة إسرائيل الإستفادة من وضعية النظام الدولي الجديد بعد هيمنة الولايات المتحدة الامريكية عليه، فقد قامت الإدارة الأمريكية بإعادة ترتيب أولوياتها في إفريقيا ولا سيما في ظل ما أطلق عليه الرئيس كلينتون (الشراكة بدلاً من المساعدات) إذ عادة ما يقترن الوجود الأمريكي بالوجود الإسرائيلي في المنطقة.

الثاني: محددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا:في هذا المبحث يرصد الكاتب أبرز محددات السياسة الإفريقية لإسرائيل على النحول التالي:

1 – الصراع العربي الإسرائيلي: له محورية في تحديد مسار العلاقات الإسرائلية – الإفريقية ونظرت إسرائيل منذ البداية الى إفريقيا بإعتبارها قادرة على القيام بدور محوري في تسوية محتملة للصراع العربي الإسرائيلي.

2- المكانة الإفريقية في المنظومة الدولية: ولم تكن خافية على إسرائيل منذ البداية الأهمية الإفريقية في الأمم المتحدة من حيث قدرتها العددية, فريس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون أكد على أن: “الدول الإفريقية ليست غنية، ولكن أصواتها في المحافل والمؤسسات الدولية تعادل في القيمة تلك الخاصة بأمم اكثر قوة”.

وهذا الإدراك الإسرائيلي يأتي دوما في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي الإسرائييلي وإمكانية الإستفادة من الدور الإفريقي في هذا المجال.

3- الجاليات اليهودية في إفريقيا: بالرغم من عدم وجود جاليات يهودية كبيرة في إفريقيا، إلا أنه طبقا لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود جنوب إفريقيا في خزانة الدولة العبرية تاتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة.

العصر الذهبي للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية (1957-1967)الفصل الثاني:

في الفصل الثاني تناول الكاتب العصر الذهبي للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية حيث سعت إسرائيل الي إبطال مفعول السياسة العربية الرامية الى عزل إسرائيل ونزع المشروعية الدولية عنها، وعليه كان من المهم لصانع القرار الإسرائيلي أن يكتسب مزيدا من الاصدقاء، وقامت بتأسيس علاقات دبلوماسية مع نحو (33) دولة إفريقية خلال عقد التسعينات.

ويؤكد الكاتب ان موجة إستقلال الدول الإفريقية في الستنيات وهو ما يعني زيادة قدرتها التوصويتية في الأمم المتحدة وإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1973 وعضوية دول عربية منها مصر فيه، مثلت مجموعة من المتغيرات زادت سياسات سعي إسرائيل للتحرك صوب إفريقيا. وهو سعي لم يقتصر على المجال السياسي والدبلوماسي وإنما امتد ليشمل في المقام الأول التعاون الفني والتقني ولا سيما في مجالات التدريب والري والزراعة وتنمية المناطق القاحلة، وتم إنشاء وحدة خاصة بإسم مركز التعاون الدولي للإشراف على هذا الأنشطة والتنسيق مع الدول المانة والمنظامات الدولية.

التدهور والقطيعية (1976-1982)الفصل الثلث:

خصص الكاتب في هذا الفصل للحديث عن تدهور تدريجي وملحوظ في العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، وعزى ذلك الى تغيير مدركات الأفارقة تجاه أزمة الشرق الأوسط، اذ نجحت الجهود العربية في منظمة الوحدة الإفريقية وفي الأمم المتحدة الرامية الى عزل إسرائيل ووصفها بالعنصرية واستفادت الحملة العربية من المواقف الإسرائيلية في إفريقيا مثل:

-الدعم الإسرائيلي للحركات الإنفصالية الإفريقية.

-تأيدها نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا.

اسرائيل والعودة الثانية (1982-1991)الفصل الرابع:

ينتقل الكاتب في الفصل الرابع للحديث عن سياسة إسرائيل الرامية إلى العودة في إفريقيا، وذلك من خلال تدعيم وتكثيف اتصالاتها الإفريقية في المجالات كافة دون اشتراط علاقات دبلوماسية وذلك في مبحث أول.

أما في المبحث الثاني فتناول الكاتب اليهودية السوداء وحلم العودة: حيث استغل قادة الحركة الصهيونية هذا التوجه الخاص باليهودية السوداء لكسب ود الشعوب الإفريقية، من خلال المشابهة بين حالة اليهود في الشتات وحلمهم بالعودة وبناء وطن لهم بحالة العبيد الأفارقة الذي خرجوا من ديارهم عنوة وشعورهم بالإغتراب في أرض الشتات وحلمهم بالعودة مرة أخرى إلى إفريقيا. ويرى الكاتب أن قادة الدولة العبرية حاولت بعد تأسيسها عام 1948 تحقيق هذه المثالية السياسية من خلال تقديم إسرائيل بإعتبارها نموذجا يحتذى في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في إفريقيا.

سياسات التطبيع وعودة الروح (1991-1992)الفصل الخامس:

يتناول الكاتب في هذا الفصل عن إعادة تأسيس العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا مرة أخرى خلال عامي 1991 و1992 ويعزى ذلك للأسبباب التالية:

1-توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائلية والإنسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء.

2-خيبة أمل الأفارقة من وعود العرب بتقديم مساعدات لهم.

3-الخوف من السياسات الليبية الثمرة للجدل في إفريقيا, كما حدث أثناء قيام النزاع الليبي التشادي.

4-التغيرات في جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري.

5-أدى انهيار الإتحاد السوفيتي الى التأثير على الدول الإفريقية ذات التوجّهات الراديكالية الموالية للسوفيت.

في المبحث الأول يلاحظ الكاتب الى عودة إفريقيا كأولوية مهمة في أجندة السياسة الخارجية ابتداء من عام 2000, وذلك على النحو التالي:

-الإعتبارات الأمنية: فثمة مخاوف إسرائيلية من انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة في كثير من مناطق إفريقيا, ولا سيما في بؤر الصراعات الكبرى, وفي ظل حالات ضعف الدولة او انهيارها كما هو الحال في الخبرة الصومالية.

-التغلغل الإيراني المتزايد في إفريقيا: رأت إسرائيل في إيران وسياستها الإفريقية تهديدا مباشرا لمصالحها في القارة السمراء.

-الإعتبارات الإقتصادية والتجارية: ولاحظ في هذا السياق ان معظم النشاط الإسرائيلي في إفريقيا قد تركز في مجالين أساسين هما تجارة الماس والأسلحة.

في المبحث الثاني يناقش الكاتب التغّير والإستمرار في قضايا العلاقات الإسرائيلية الإفريقية, ويشير في هذا السياق الى أن التغيرات في الأنظمة الإقليمية ومن بينها الشرق الأوسط قد اضفى بتأثيرات ملموسة على تطور العلاقات الأسرائلية الإفريقية, فدخول أطراف الصراع العربي الإسرائيلي مسار العملية التفاوضية قد أدى الى إضفاء المشروعية المطلوبة على الكيان الصهيوني وتأمين وجوده العضوي, ومن ثم فإنه يسعى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافه التوسعية بحسبانه قوة إقليمية وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي.

الفصل السادس: أدوات الإختراق والهيمنة الإسيرائيلية لإفريقيا

خصص الكاتب في هذا الفصل لرصد أدوات الإختراق الإسرائيلي وذلك في مبحثين:

الأول: إسرائيل والقوة الناعمة: يشير الكاتب بأنه لو أن القوة العسكرية حققت تأسيس كيان الدولة فإن تأمين شرعية الوجود يتطلب أدوات وسياسات أخرى غير الاداة العسكرية، وذلك ما يدركه صانع القرار الإسرئيلي، ومن هنا كان خلق ما يمكن تسميته “النموذج الإسرائيلي” الذي يستطيع جذب إهتمام وتأييد المجتمع الدولي، ويؤكد الكاتب ان سياسة المساعدات التنموية التي تقدمها إسرائيل للدول الإفريقية تمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم القوة الناعمة، ومما يزيد من فاعلية هذه السياسة أن إسرائيل تضفى عليه بعداً ثقافياً وأخلاقيا لتحقيق هذه الغاية.

المبحث الثاني خصص الكاتب للنقاش عن اختراق الأمن القومي العربي: ويلفت نظر القارئ إلى ان الإختراق الإسرائيلي الواسع النطاق للقارة الإفريقية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ارتبط بحالة من التراجع الواضح للدرو العربي ولا سيما المصري في إفريقيا. وعليه فإن الفرصة سانحة أمام  إسرائيل أكثر من أي وقت مضى لإستعادة أمجاد عصرها الذهبي في إفريقيا ويرى: أن مكمن الخطورة في هذا التمدد الإسرائيلي تتمثّل في اختراق منظومة الأمن القومي العربي ككل وتهديد نظم الأمن الوطنية لبعض الدول العربية تحديداً مثل مصر والسودان والمغرب العربي, وفي أمتداداته الإفريقية على النحو التالي:

1-اختراق النظم الأمنية والإقليمية الخاصة بالقرن الإفريقي: بمفهومه الجيوسياسي بإعتباره ممراً وبوابة للمرات البحرية الكبرى التي تطل عليها المنطقة العربية وهي المحيط الهندي والبحر الاحمر والخليج العربي.

2-إشعال الخلاف بين دول المنبع والمصب لحوض النيل: إذ لا يخفى أن لإسرائيل أحلاماً قديمة في الحصول على حصة من مياه النيل لري صحراء النقب.

3-محاولة تفجير مناطق الأطراف للنظام الإقليمي العربي في إفريقيا.

خاتمة

يرى الكاتب ان ما يزيد خطورة الإختراق الإسرائيلي لإفريقيا أنه يرتبط بمحاولات إستعمارية جديدة لإعادة صوغ حدود العالمين العربي والإفريقي، من خلال عمليات فك وتركيب  جيوستراتيجي, الامر الذي يؤدي إلى خلق كيانات جديدة مصطنعة تنال من مقوّمات وأسس النظم الإقليمية السائدة.

وينتهي الدكتور حمدي عبدالرحمن في خاتمة كتابه ومن منطلق خبراته الذاتية في العديد من دول المنطقة بالتاكيد على مجموعة من المفاهيم والمضامين التي تصلح لإقامة حوار استراتيجي جديد يتجاوز إشكاليات الهمينة الأمريكية والأسرائيلية على دول الأركان للعالمين العربي والإسلامي في القارة الإفريقية وذلك على النحو التالي:

أولا: إعادة تصحيح المفاهيم التي تعكس المخزون الثقافي والحضاري المتعلق بالعروبة والإسلام، والإفريقانية وإزالة أي إمكانية متوصرة للصدام, مع تصحيح الصورة الذهنية والقوالب الجامدة في تاريخ الذاكرة الجماعية مثل قضية الدوري العربي في تجارة الرقيق الإفريقية.

ثانيا: عدم اختزال العلاقات مع دول المنطقة في مجال واحد من المقايضات السياسية والمقابل التجاري.

ثالثا:الإتفاق على أسس جددة للتعاون بين العاليمن العربي والإفريقي بما ينفع المنفعة المتبادلة لكل طرف.

رابعا: التركيز على المداخل غير الحكومي ونعني بذلك مؤسسات ومنظمات المجتمع الأهلي التي تستطيع أن تستفيد من المواريث الحضارية والثقافية.

يسعى الخبير بالشؤون الإفريقية من وراء هذا التفكير الأصيل، الى تشكيل الوعي العربي والإسلامي بخطورة التهديدات التي يطرحها الكيان الصهيوني بالنسبة لدول الجوار الإفريقية، على أن ذلك يتطلب -حسب ما يقول- ضرورة إستمرار الإهتمام البحثي والاكاديمي بمصادر التهديد الخارجية لمنظومة الامن القومي العربي والإسلامي، وضياغة بدائل عربية إسلامية للحركة والمواجهة.

 

عن صهيب عبد الرحمن

صهيب عبد الرحمن

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الصومال للكاتب: عبدالقادر اوروما

معلومات عن الكتاب: العنوان الأصلي: “Sooyaalka Soomaaliya” المؤلف: عبد القادر اوروما وقت الطباعة: 2005م تقديم: زبيدة …