الرئيسية / منوعات / قصة قصيرة / السيد : Right man

السيد : Right man

فتوة أم نخبة

على غرار تلك الأفراح فى الأحياء الشعبية فى مصر؛ نهاية كل عام، تُنظّم بعض الجمعيات الأهلية حفلا لتكريم بعض الشخصيات اللامعة فى المجتمع. فى مثل هذه المنابسات لا يُعرف من الذى خدع من. ينتهى الفرح أو الحفل لتكتشف بعدها أنهما كانتا مجرد جلستين لعقد صفقات مشبوهة، فالأولى مفتوحة للتحشيش وتداول المخدرات بصورة مفزعة، إنها صقفة مرضية لكل الأطراف من مدمنين وتجار ورجال الشرطة الفاسدين، وليلة من تلك الليالى التى لا تعوض. أما الثانية فهى “إحدى الطرق المستجدة للدعاية والتلميع من جهة وإسترداد قطرة من غيث الإموال التى نهبوها من جهة أخرى” كما قاله أحد المنظّمين عندما سئل عن المعايير التي اختيرت هذه الكوكبة من خيرة عقول المجتمع وفقها .

فى تلك الليلة، كان من بين المكرمين شخص نعرفه من المراحل الدراسية المبكرة والذى أصبح فيما بعد من النخب المؤثرة فى صنع القرارات المصيرية فى البلد. لم نكترث لما قاله المقدم عن صاحبنا النخبويـ واعتبرناها من باب المجاملة اللطيفة التى تدل عند البلغاء على كرم المادح أكثر ما تدل على فضل الممدوح. تكلم الرجل باسم زملائه فى المنصة، كان الموضوع الذى كُلّف به صاحبنا من المواضيع ذات الصلة بالتعليم وتشجيع الشباب. تحدث عن مسيرته العلمية مضرباً المثل بشخصه المتواضع، مبيّنا أن ما وصل اليه ما هو إلا بفضل عصاميته وعرق جبينه، لسوء الحظ، كان يتحدث أمام بعض الشباب المثقف عندما أراد التعمق فى الموضوع، إذ أصيب الرجل بارتباك شديد فظهر الارتجال فى كلامه، وخلافا لما نشر عنه فوجئ الجمهور بسطحية تحليل الرجل وقلة معلوماته، إنه فضح نفسه أمام الخضور وألقى خطابا من تلك الخطابات التى اعتاد عليه، وباتت جزءا من شخصيته فانقلبت الجلسة مرة واحدة إلى قهقة وضحكات عالية كجلسة كوميدية سخيفة.

قد يبدو من سخرية التاريخ أن يلعب هذا النخبوي دور زملاء نعرفهم، نعرف جديتهم واجتهادهم، منتحلا شخصياتهم فى أيام الدراسة المبكرة، وهاهو بدأ يستخدم مواهبه فى المراوغة إذ يخيّل للمرء أن فصول تلك القصة التى يرويها ما هى إلا اخترال مناقب فئات بأكملها في شخصية واحدة؛ شخصيته هو!! حيث وزعت منشورات كتبت بحرفية عالية وبعبارة تتضمن معاني الإطراء والمديح مصبوغة بصورة أدبية، تقول تلك الجمل :

“هكذا هو.. للوهلة، يبدو لك عديم القيمة وغريب الأطوار، وكما يقول أحد الرفاق ” تزداد معرفتك له، فلا تفتأ ترفع ملفه طواعيه الى الرف الأعلى ثم الأعلى فى ترتيبك الداخلى.. وهكذا، الى أن تصل بك الأمور لدرجة تأتيك فيها الإشارات على نحو يجعلك تخصص رفه الخاص به والذى قلما يصله أحد، وفوق كل ذلك لايزال يحتفظ مكانته مهما كانت الظروف، يدافع بلطف ويجادل بذكاء.

وتقول جمل ثانية كتبت بإسم زملاء له تقول:

“نزوره عند المغيب يتناول العشاء فنتسلى ونسخر منه، ليس هو من نوعية الأصدقاء الذين من كثرما  حكوا وكرّروا أصبحت لدى بعض زملائهم ردود أفعال ظريقة، يرفع الواحد منهم أصابع يده لينبهه كم مرة حكى لهم هذه القصة قبل ذلك. إنه من هؤلاء الناس الذين تحس حين تصادفهم إن الحياة قد أسدت لك جميلا لا يُنسى، إنه واحد من أولئك الذين يخيل إليك لو راقفتهم طوال حياتك يبهرونك بين الحين والاخر ببُعد جديد من شخصيهم تحمل طابعها الخاصة بها له قصصه وخيالاته”.

زميلى انفجر ضاحكا على عدم واقعية الكلام المنشور وبُعده عما كان، ولأنه لا يأبه لما سيترتب على قول الحقيقة همّ أن ينبهه فى نهاية الحفل على أن الأمور لم تجرعلى هذا النحو ولم تكن كذلك من الأساس، ولكثرة ما تعرض هذا النخبوي لمثل هذه المواقف أصبحت لديه ردود أفعال معينة، إنه يرتبك لبرهة وسرعان ما يتدارك نفسه ويعاود الكرة من نفس المنوال مرة أخرى، ليتفنن فى الحديث عن نفسه.

فى بدايات سنة أولى ثانوي أبعد كارها، ورُفِض من المدرسة لسبين إثنين، أولهما: كانت درجاته ضعيفة فى كل المواد لدرجة لا تسمح له بمواصلة الدراسة فى السنوات التى تليها، وثانيها إنه كان لا يلتزم بالمواعيد المدرسية، وكان يغيب عن الفصل لأيام طوال، قالوا – والعهدة على زملائه- إنه كان مشغولا بلعبة كانوا يسمونها “إتقان المبادئ الأساسية لقانون الغابة” والتى كان يمارسها ويطبقها عملياً داخل الفصل كما لاحظنا من تصرفاته ذلك الحين، ولعل ذلك ما جعله يتقن بحرفية اختيار دورالذئب بدل الخروف فى كل نظام يسود فيه قانون الغابة.

انقلبت الموازين، وجاء الوقت الذى طالما تمناه وضيّع لأجله سني عمره، جاء الوقت الذى أصبح الشرط الوحيد لتكون عضوا مقربا من دوائر صنع القرار ولائقا بتولي منصب عام، أن تكون أعمالك الإجرامية شهادة على كفائتك، وأن يكون تاريخك مبهما، كخربشة طفل على ورق بقلم جاف، وقابلاً للتغييرفى كل لحظة، وما ذنب صاحبنا فى اختياره ليكون ذئبا لا خروفا فى غابة موحشة يكون البقاء للأقوى، ثم إن مؤهلاته كلها توضح أهليته لمثل هذه المهمات دون غيرها.

كنا فى أواخر الصيف قبل سنوات،  في مناسبة لتنصيب شيخ العشيرة وسط مراسم احتفالية مهيبة، اجتمع فيها جل أطياف المجتمع، وطبيعى أن يجد الحاضرون مشهدا مشوهاً غير سليم عندما رأوا الثنائى المخيف يمشون باختيال نحو المنصة ومتسربلين بثوب العز والسلطنة، الثنائى الذى كانوا يحسبون أنهم انتهوا منهم ومن شرورهم ، فالأول “العمدة” لابد أن تتبادر إلى ذهن كل من عرفه صورة ذلك الرجل عندما يكون الحديث عن إحدى الشخصيات الشريرة، أما الثانى فهو ابن أخيه  النخبوي الغني عن التعريف، يعرف القاصى والدانى تاريخة المشرف، بيد إن هذا المشهد اختفى من أمام أعين الحاضرين عندما بدأ مفعول ما فعلوه فى الجلسة آخذا فى الصعود، وأنك لتحس فى جلسة كهذه انزلاق الآخرين فى متاهات صراعات داخلية مع ضمائرهم لتنجلى لهم رويدا رويدا صورة مغايرة لاولئك القوم.

يذكر أنه قبل خمسة عشرعاما،  فى وقت قريب من أيام فصله من المدرسة أن إلتحق بعصابة عمه حيث قضى معهم عاما كاملا قبل أن يغادر الى الحبشة، فعاش هناك حياة الفسق والضياع، صرف فيها كل الأموال التى اختلسها من عمه  ما جعله يتفرّغ لأعماله الإجرامية، فشرع يتاجر فى الممنوع، ويزور المستندات الرسمية، وينصب على أولئك، ويكذب على هؤلاء،  فكاد أن يسجن به لولا فظنته لتلك الأمور،  فهرب وعاد ثانية بين أهله وأحبته وهو لايملك من حطام الدنيا شيئا سوى تهكم معارفه عليه.

يقينا، أذهلت القدرات والإمكانيات الشخصية التى يتمتع به النّاس، فاق الرجل حتّى عمه فى النهب، والسلب،  والاستيلاء على ممتلكات الغير. مشاويرهم إلى المحاكم لا تنتهى ، شهادة الزور، ووضع اليد على أراضى الغير من أبسط أعمالهم اليومية. لم يكن بوسع عائلته أن تتحمل تبعات إجرامه والتى أصبحت لا تطاق، فقرّروا الى إبعاده وطرده بطريقة تشبة النفى الى بلاد الغرب، وهناك وجد ضالته لإختراع أساليب جديدة فى تجارة الممنوعات من كل صنف بطرق حيرت سلطات ذلك البلد، وجعلت اللحاق واكتشاف كنهها من المستحيلات، فأصبح فى وقت قياسى ميسور الحال مما فتح له الباب واسعا لخوض تجارب من نوع آخر؛ إذ تبرع لبنى عشيرته بفتح مجالس للكيف والسمر، ولأنه يجيد قرع طبول القبلية والنفاق أصبحت لدية شعبية واسعة ممن يقادون من بطون لا من عقولهم.

 

لا بد أنه تشجّع فى أمر ما، لقد قرر أن يرد الدين لعمه ليس أحساسا منه بتأنيب الضيمر –وكيف  لضيمره أن يتألم أويحس بتأنيب- وهو الذى يتمتع بما يسمى بضمير السعيد، ولا كانت رقة أو رحمة منه لعمه، وإنما هى جزء من خطة جهنمية ستقوده نحو الوصول الى ما وصل إلية زملاؤه، الى المنصب العام، إلى السلطة والمال والشهرة، الثلاثى الذى تُرك لمثله فى هذه الأيام، ليس من قبيل الترفع الذى يدل على كرم بقية من المجتمع صونا لشرفهم – كما نظن – وأنما هى صعوبة بناء عقلية تجتمع فيها كل المتناقضات؛ أن تؤمن برأيين وأنت تعرف أنهما لا يجتمعان أبدا، ومع ذلك تصدقهما، أن ترفض الالتزام بالأخلاق فيما أنت واحد من الداعين إليها، أن يكون بمقدورك إعادة بناء الماضى وكتابة التاريخ من جديد وأن تكون لديك القدرة على تغيير معاني المفاهيم المتعارف عليها فى سياق يتفق مع ما تمارسه من التزييف وطمس للحقائق. ولكى تكتسب الثقة اللازمة؛ لا بد وأن تنطبع تصرفاتك كلها بطابع دينى، وأن تمارس التدين السلوكى والشكلى بحرفية .

 

فى جلسة مسائية مغلقة ” لجبابرة القوم ” من بني عشيرته فى البلد، قرّروا إدراج إسمه في قائمة المرشيحين الذين سيمثلونهم فى  البرلمان القائم على التوازنات القبلية فى تقاسم السلطة المرتقبة. فى بادئ الأمر، دار نقاش حاد حول الرجل، واعترض بعضهم على ترشيحه قبل ن يقتنعوا بالتفسير الذى قدمه أحدهم والذى كان مقربا من العمدة “السلطان” ، يومها قيل إننا لا بد أن نسترد كل الأموال التى صرفناها تعويضا للمتضررين على مصائبه، ثم إنه الاختيار الأفضل الذى يستطيع أن يمثلنا بكفاءة فى مجتمع اختلطت فيه موازين الخير والشر، وتساوت عنده الفضيلة والرذيلة.

قرروا اتخاذ مسارمختلف، ابتعدوا واتجهوا صوب  فكرة أنّه “لا يمكن لحملات التزييف أن تطال قيمهم ومبادءهم التى طالما احتفظوابها داخل محراب الوعى” فضلوا الزهد عن مجتمع  يعاديهم لمجرد أنهم رفضو الانخراط فى اللامعقول فنبذوا من قبل الكل. فها هو الأستاذ الفاضل الذى تربت على يديه أجيال وأجيال يفترش الأرض ويبسط الملايات المهترئة يبيع ويشترى الجوارب المستعملة فى سوق هرجيسا، وها هو الطالب النجيب الذى كان يشار إليه بالبنان ومن كان على شاكلته أصبحوا على هامش الحياة الاجتماعية، بينما ينتحل شخصياتهم مثل هذا النخبوي ويمثل دور السياسي المحنك والاقتصادى الفذ والمربي الفاضل، بل أوكلت إليه من قبل المجتمع كتابة  قيمه الاساسية فى كل المجالات: السياسة والاقتصاد والتعليم، فصار مثل هذا السيد هو  نموذج الشاب الناجح  أو (Right-Man) ويجب أن يحتذى، وليس في يد العاطلين سوى التّحسر على استقامتهم، وربما لعجزهم عن اتقان مبادئ قانون الغاب الأساسية.

 

 

 

 

عن جوليد عبدي محمد

جوليد عبدي محمد
حاصل على بكالوريوس هندسة كهربية من جامعة القاهرة، دبلوم عالى فى التربية، جامعة أفريقيا العالمية. محب للقراءة و مهتم بالقضايا الفكرية.

شاهد أيضاً

مصطفى .. الرجل الصغير

ارتفع آذان الفجر  بنفس النّغمة الأنيقة لمؤذن المسجد …الله أكبر … الله أكبر … فتململ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.