الرئيسية / قراءة في كتاب / قراءة في كتاب “الديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق”

قراءة في كتاب “الديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق”

صدر كتاب “الديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق” لمؤلفه الدكتور “محمد الأحمري” في توقيت حساس، حين اندلعت موجة الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة الديكتاتورية، وفي ظل توق شعبي جارف لخوض التّجربة الديمقراطية، التي ما تزال تجابه من بعض التّيارات بالرّفض والتّخوف. ويتناول الكتاب الجذور التاريخية للديمقراطية عند العرب، وعند اليونان، وعند الهنود الحمر، مؤكّداً أنها “الأصل وتنسجم مع الفطرة البشرية”, ويعالج بعض من الإشكاليات التي  يطرحها رافضو”الديمقراطية”  سواء كانوا من المستبدين المنتفعين بغيابها، ومن أتباع التيارات الفكرية الجامدة التي تهرب من الأشياء الجديدة والألفاظ الغريبة ومعانيها,  كتعارض الديمقراطيةمع الإسلام, وأنها بديل عن جكم الله, أو بدعوى أن الديمقراطية لا تصلح للعرب أو للمسلمين..الخ”، ولا يسلّم الكاتب بمثالية الديمقراطية، بل يشير لبعض مثالبها، ويقرّ يأن هذه الفكرة بحاجة إلى التطوير المستمر.

يقع الكتاب في حوالي 288 صفحة مكونة من مقدمة و17 فصلا, وهذه القرآءة تقدم فكرة وتصوراً عاماً عن هذا  الكتاب من خلال عرض بعض فصوله وموضوعاته.

الديمقراطية هي الأصل:

يستهل الكاتب كتابه بقوله بأن الديمقراطية أصل ثابت في الفطرة البشرية منذ المجتمعات البدائية, حيث كان أفراد تلك المجتمعات يناقشون قضاياهم بشكل حرّ وبعيداً عن أي استبداد واحتكار للحكم، واستمرّ هذا الوضع في حضارات متتابعة قديمة مثل الفرعونيّة واليونانيّة وحضارة ما بين النهرين والهند والصين والهنود الحمر، وهي بهذا ليست يونانية ولا رومانية، بل هي تراث إنساني تتشكّل في أي مجتمع فيطوّرها ويُحسنها فيُجيد، أو يُسيء بحسب ثقافته, فهي -أي الديمقراطية- ذات ارتباط وثيق بالفطرة الإنسانية في المجتمعات السوية, ويستطرد بالقول: بأن المطالبة بها للحصول على حق المشاركة وإبداء الرأي في حقيقتها هي عودة إلى الفطرة السليمة, والقبول بالاستبداد نكوص عن الفطرة السوية, و يورد المؤلف كثيراً من الشواهد في مقدمة الكتاب عن الديمقراطيات القديمة.

أما جذور الفكر البرلماني والانتخابي فتعود إلى أثينا في نظر البعض، لكن المؤلف يورد بعض الروايات التاريخية على تجارب سابقة لهذا التصور ثم يورد شواهد من السيرة النبوية ومنهج الحكم الراشدي ما يثبت أن هذه الآلية في الحكم ليس خارجاً عن إطار الدين، ويناقش بالتفصيل حجج المؤيدين والمعارضين ويثبت أن الديمقراطية مع وجود عيوب لها إلا انها أقل أنظمة الحكم شراً وخطراً، فهي تحمي كرامة الفرد وتعطي للمجتمع حيوية في التغيير وتُبقي النظام نشطاً متيقظاً غير جامد ولا متخاذل، وهي النظام الأفضل كما يشير الكاتب لصنع حضارة وبناء دولة بشكل كامل ومتكامل وحكومة تحمي الدستور وتحفظ العدل وتكفل حقوق مواطنيها وتعمل على النهوض بالعلم والفكر والوطن.

حول المفهموم:

يقول المؤلف عن الديمقراطية الحديثة أنها نتاج فكر إنساني متغير وليست نموذجاً مغلقاً يُرفض بكامله، أو يؤخذ بكامله، وليست مذهباً فكرياً في أصوله وفروعه وينافي العقائد السماوية, لأننا في حالة جعلها مذهبا أو عقيدة، سوف نحرم من أنفسنا من حاجة بشرية يمكن أن نحقق بها ضرورات المجتمع تحت حجج وهمية”. ويؤكد الكاتب بأنها في الأساس “إدارة يتفق فيها المجتمع, لتحقيق مصالحه وعلاقاته, ولهذا لم يصل أحد الى تعريف ثابت ودقيق لها.

أنماط الديمقراطية:

الديمقراطية الكلاسيكية: ينقل المؤلف عن أحد الدارسين للديمقراطية أنّها: تمتّع المواطنين بمساواة ليكونوا أحرارا, حكّاماً ومحكومين، ويتبادلون هذه المواقع, ومشاركة مباشرة للناس في التشريع والقضاء وجميع مواطنين لهم السيادة, وهذه السيادة شاملة لجميع شؤون الناس, وحقهم بالوظائف بطرق منها الإنتخاب والقرعة, وأن لا يفرق في الإمتيازات بين الموظفين في الوظائف العامة وبين المواطنين العادين, وأن لا يبقى الشخص في منصب عام أكثر من دورتين إلا في حالات الحروب, مع فترات خدمة قصيرة للجميع, ورواتب أو أجور مقابل الخدمات العامة.

الديمقراطية الاجتماعية: يعتمد هذا النوع من الديمقراطية كما يقول الكاتب على السياسة والعدالة الإجتماعية, وجاءت نتبجة محاولات تدريجية سياسية واقتصادية للتحول من قسوة الرأسمالية الحادة في العالم إلى وضع مثالي, وانتشرت هذه الفكرة في مواجهة الرأسمالية قبل الثورة الروسية, وكان للمفكر الألماني برنشتاين دور في صياغتها بشكلها الحالي.

ثم يشير المؤلف الى أن للديمقراطية الحديثة شكلان: أولهما برلماني ومثال ذلك الواضح بريطانيا وأغلب النظم الملكية الدستورية, وهذا الشكل من الديمقراطية يقوم على انتخاب أعضاء البرلمان, وهو الجهاز التشريعي ومن الجهاز التشريعي عموما وبحسب الأغلبية ينتخب الجهاز التنفيذي من الأغلبية أو المجموعة الفائزة أو من تكلفه, ويكون غالب الحكومة من أعضاء البرلمان الفائزين, والحزب الذي ينافس ولم ينتصر يبقى في المعارضة في البرلمان.

أما الشكل الثاني فهو الديمقراطية الرئاسية وهذه في أغلب الجمهوريات ويذهب المواطنون في عمليتن انتخابيتين مختلفتين أو أكثر, الأولى لانتخاب البرلمان والثانية لانتخاب الرئيس وأحيانا ومعه نائبه كما في النظام الأمريكي بطريقة منفصلة عن انتخاب الجهاز التشريعي.

من مناقب الديمقراطية:

ينتقل الكاتب في الفصل السابع للحديث عن مناقب الديمقراطيةكإحياء مسألة المصلحة العامة, وجعلها في صميم اهتمام الأفراد. فالفرد في المجتمع الديمقراطي مسؤول عن اختياره، وتقيميه وإمكانية إبقاء او عزل قادته, ويستطرد الكاتب متحدثا عن مزايا المجتمع الديمقراطي ويصفه بأنه مجتع حيوي يشارك الفرد فيه بالشأن العام, وأن الديمقراطية تجعل عين المرء على مستقبل كل شيء, فهو ليس ابن اللحظة الحاضرة فقط مع ما لها من أهمية بل له اهتمام زماني مستقبلي, فالحياة في المجتمع الديمقراطي تُقيّم بخطة الأعوام القادمة المرسومة للفرد الحاكم وحزبه.

كما أن للفرد في المجتمع الديمقراطي أخلاقه المحسوبة مستقبليا, سواء بسبب المنفعة المقدرة للقادم, أو بسبب الأعراف العامة التي تجبر الفرد على المشاركة من خلال دفع الضرائب وتجعله يتعقب ماله, ويطمح أن تؤدي إلى تحسين مستوى حياته.

ويمضي الكاتب موضحا فاعلية المجتمع الديمقراطي مقارنة بمجتمع مسلم غير ديمقراطي, ويورد مثالا بمستوى المصلحة الجماعية والأخلاق لهذين المجتمعين, لتشاهد النصوص الإسلامية التي تحث على المصحلة الجماعية ميتة في المجتمع المسلم غير الديمقراطي, وترى عكس في المجتمع الديمقراطي, وهذا يعود بأن الفرد في المجتمع الديمقراطي يرفع من مستواه الأخلاقي ومن مزاج الجمال والذوق لكونها مسؤولية يتوزعها الأفراد عبر مؤسساتهم هم, وليس عبر ما يتوهمون أنها مؤسسات الحاكم ومنافعه الذاتية, مع أنها ليست كذالك, ولكن الاستبداد كما يشير الكاتب يلقى مسؤولية محاسن ومساوئ المجتمع على شخص واحد هو الحاكم, فلا يقوم الفرد حتى بمصلحته ومسؤوليته لأن كل شيء سوف يعزي للحاكم ولو كان شيئا تفاها, فيتحمل الفرد الحاكم قذارة البلد الحسية والخلقية وتستند إليه ويحاسب عليه في الوعي العام, ويصف الكاتب بأن هذا من أساليب الحيل النفسية للمجتمع المقموع, فيرفضون حتى ما يهمهم ويفيدهم لأنه قد يفيد الحاكم المستد ولو للدعاية, فيصبح قرار الضرر عاما للجميع, بسبب عدم المشاركة في تقرير المصلحة العامة والقرار العام.

ويؤكد الكاتب بأن الحاجة الى الديمقراطية هي الحاجة الى الأمن والاستقرار, كما تمنح المواطنين المسؤولية الفردية, وهذا ما جعل بعضهم يرى أنه ما تمّت مواجهة بين أمة ديمقراطية وأخرى مستعبدة إلا انتصرت الأمم الديقمراطية الحرة, وينقل الكاتب تعليقا لـ “هيردوت” في فائدة الديمقراطية يقول فيها ” إن الإثينين كانوا ولا فضل لهم من جاورهم في الشجاعة أيام خضوعهم للطغاة, فما أن نفضوا عنهم نيرهم حتى تقدمو الى الرعيل الأول بين المجتمع, وتبين من هذا أنهم رضو بالهزيمة حتى كانو مقهورين يعملون للسيد المسلط عليهم, فلما ملكو زمامهم حرص كل منهم على ان يبذل غاية ما وسعه لنفسه”.

الديمقراطية في التاريخ الإسلامي:

في حديثه عن الديمقراطية في التاريخ الإسلامي في الفصل الثامن يبدأ الكاب بنقل نصّ للإمام محمد عبده يجيب فيه عن تساؤل عمّا اذا كان الحكم الإسلامي دينيا ام مدنيا يقطع فيه الإمام بأن نظام الحكم الإسلامي مدني, اي من عملهم واختيارهم وفعلهم, بعقولهم وهم يختارون مصيرهم, ليس لديهم نص من أحد ولا على أحد, وبحسب الكاتب هذا هو رأي جمهور العلماء.

ينتقل الكاتب للحديث عن حرية الإختيار في أول تجربة للحكم الإسلامي أن مسألة حرية الصحابة –المجتمعين في  السقيفة- في البحث عن أحسن الطرق التي تحافظ على مصلحتهم العامّة كما يتضح من القصص والروايات العديدة التي وصل إلينا على أنه لم يكن بين أيديهم نص على إختيار أحد منهم, ولا على عشيرته ولا على قبيلته, بل كان نقاش واجتهاد ثبت من جملته تمام حريتهم في اختبار الطريقة واختيار الشخص.

بعدها ينتقل الكاتب للحديث عن مشاركة النسا ء في التصويت ويؤكد ان سنة النبي –صلى الله عليه وسلم- صريحة في إشراك القرار في النساء, والإستشارة المشهورة للنبي لأم سلمة مثال لذلك, وآية (وشاورهم في الأمر) دليل آخر قوي يدل على لزوم إستشارة النساء في القرار العام, فهي عامة تشمل الرجال والنساء كما أشارا ابن العربي ومحمد الأمين الشنقيطي في تفسيره.

في نهاية هذا الفصل يشير الكاتب مواقف الخوارج فيما يتعلق بالحكم, سواءا في فرقهم المتطرقة المندثرة كـ”الصفرية” أو فيمن ينسب إليهم من الفرق الموجودة كـ “الإباضية”, ويؤكد على أهمية دراسة الحكم الراشدي قبل الفتنة وبعده.

أعداء الديمقراطية

في هذا الفصل يحدد الكاتب منطلقات الفئات التي يقصد بها العنوان ويذكر:

فئة المستبدين: ويشير الى ان منطلقهم هو الهيمنة على الناس واحتكار حقوقهم والإستئثار بممتلكاتهم, ويعلمون جيدا ان الديمقراطية تهذبهم كما يقول الكاتب, وترجع للناس سلطة الإختيار وشرف الشرعية ومظاهر العدل لذلك يعادونها.

فئة تهرب من الأشياء الجديدة ومن الألفاظ الغربية ومعانيها: وهذه الفئة يحتاجون الى إقناع لفظي بأنه سبق للناس في كل العصور ان سمعوا ألفاظا غريبة عليهم أول الأمر ثم عرفوها فانتعفو بها,  فلم يسمع الخلفاء الراشدون بالسيارة ولا ركبوها ولا انتفعوا بالكهرباء ولا الحاسوب ولكنها حلّت فنفعت, وبحسب الكاتب الديمقراطية أهم للناس من الكهرباء والحاسوب والطائرة وهي الأساس التي ساعدت الناس على الإختراعات الحديثة.

فئة متيدنون في ذواتهم ربما, لكنهم غافلون: هذه الفئة يقول عنهم الكاتب بأنهم لم يسبق لهم أن مارسو حقهم في اختيار من يقوم على مصالحهم, وهم يتلطفون ويتملقون في أبواب السلطان, فإذا مُنّ عليهم بكلمة لا ينفذها وقد لا ينوي ذلك أصلا طارو بقوله فرحا وأثنو على استقباله لهم, سلبيون معاقون عن أي عمل يحتاج الى إعمال عقل وتفكير.

فئة منتفعة من مجتمع الإستبداد: يصف الكاتب بهذه الفئة انها ليست من ذوي الكفاءات والعقول والمهارات والوضع القائم يبرر لها علمها, فهي الأحرص على استمرار الفساد والإستبداد.

 

الديمقراطية والقبيلة

يحدثنا الكاتب في هذا الفصل عن الإصطدام الحاصل بين ثقافة القبيلة وثقافة الدولة, ويشير الى ان هناك ثقافة عميقية في التركيب القبيلي يعكّر علي الوصول إلى مفهوم الدولة, وهو أمر كفيل بتحطيم آمال الدولة وقوتها ونضوجها, يقصد الكاتب بهذه الثقافة تقدم العلاقات القبيلية على المصلحة العامة, فترى الضعيف تقدمه القبيلة على القويّ الذي لا يمت بقرابة لرجال الدولة, او بعبارة اخرى تقدم القريب على القادر.

يمضي الكاتب موضحّا الفرق بين الثقافتين ويشير أن القريب من أعضاء القبيلة لا يخضع للحكم إلا بمقدار ما يكون الحاكم قريبا له, وكلما ابتعد عنه الحاكم نسَباً زاد تمرده, والحاكم يزيد بسلوكه المغلق من تزكية هذا التوجه, ولهذا يصعب خلط ثقافة الدولة والقبيلة, فكلاهما ينفى الآخر, وانه قد يوجد انسجام متخيل في عقل من طغت قبيلته, ولكن الكاتب يؤكد أن لا أساس لهذا في الواقع.

مخاوف من الديمقراطية

يعالج الكاتب في هذا الفصل الذي نختم به عن المخاوف والإشكالات التي تزعم عن الديمقراطية, ويبدأ بالمتخوفين من جعل الشعب مصدرا للسطلات وينقل عن الشيخ القرضاوي جوابا اهذا التخوف يقول فيها “جعل الشعب مصدرا للسلطات حتى التشريعية منها لا ينبغى ان لا يخاف هنا, لأن المفترض اننا نتحدث عن شعب مسلم في أغلبيته, فلا يُتصوّر منه ان يصدر تشريعا يخالف قطعيات الإسلام, على أن هذا التخوف يمكن ان يُزال بمادة واحدة تنص على أن أي تشريع يخالف الأصول القطعية للإسلام يعتبر باطلا”.

وقول القائلين: ان الديمقراطية تعني حكم الشعب  نفسه بنفسه، لذا يلزم رفض المبدأ القائل –ان الحاكمية لله- يقول الكاتب ان هذا القول غير مسلّم, فليس يلزم من المناداة بالديمقراطية رفض حاكمية لله للبشر, وأكثر الذين ينادون بالديمقراطية لا يخطر هذا ببالهم, وإنما الذي يعنونه هو رفض الديكتارتورية المتسلطة على رقاب الشعوب.

يجيب الكاتب عن قول الخوارج “لاحكم إلا الله” انه قول حق بذاته, لكن وضعوه في غير موضعه اذ استدلو به على رقض تحكيم البشر في النزاع, وهو مخالف لنص القرءان الذي قرر التحكيم في غير موضع, أشهرها التحكيم بين الزوجين ان حدث شقاق بينهما.

ختام: إن المادة العلميّة للكتاب ليست قوية بما يكفي، وفيه بعض التكرار،  كما أن تركيز الكاتب على تأكيد أن الديمقراطية والإسلام لا يتناقضان يثير نوعاً من الملل، ولكن يمكن فهمه إذا وضعنا في الحسبان أنّه نشر في خضم البحث عن الديمقراطية، وأنّه موجه بالأساس إلى الفئة المتخوفة من الديمقراطية والمشككة في مصادرها. ولكنه في عمومه كتاب جيد، من كاتب ينتمي لمنطقة تشهد مقاومة شديدة للديمقراطية، واحترام الحقوق الأساسية للأفراد.

عن صهيب عبد الرحمن

صهيب عبد الرحمن

شاهد أيضاً

قرآءة في كتاب: تاريخ الصومال للكاتب: عبدالقادر اوروما

معلومات عن الكتاب: العنوان الأصلي: “Sooyaalka Soomaaliya” المؤلف: عبد القادر اوروما وقت الطباعة: 2005م تقديم: زبيدة …