الرئيسية / لقاءات / الإعلام في ظل النزاعات: بين الفوضوية والمهنية

الإعلام في ظل النزاعات: بين الفوضوية والمهنية

تشهد الساحة الإعلامية في الصومال مشكلات عديدة، منها عدم المهنية، وغياب الموضوعية، وغيرها من المعضلات الأخرى. في هذه المقابلة نستضيف الإعلامي الصومالي الأستاذ محمد أحمدعبد الله ، الذي بدأ رحلته الإعلامية في نهاية التسعينات وسط ظروف حرجة، وتدرج في العمل الإعلامي حتى انضم لمكتب قناة الجزيرة في مقديشو كمنتج للأخبار فيه. ضيفنا مهتم أيضاً بدراسة الحركات الإسلامية في الصومال، وشارك في كتاب (فراغ البطون وتخمة الأسلحة : الصومال والحركات الإسلامية)، الذي أصدره مركز المسبار للدراسات والبحوث، وفي هذه الجلسة يشاركنا رأيه في الإعلام الصومالي وتوجيهاته للصحفيين المحليين.  

 

تكايا: أستاذ محمد عبد الله، بداية نرحب بك في أول مقابلة يجريها موقعنا الجديد تكايا، بصفتك إعلامياً صومالياً يعايش الأحداث على أرض الواقع، كيف ترى الإعلام الخاص منذ انطلاقه خلال سني الحرب الأولى وحتى اللحظة؟  وكيف أسهم في النزاعات والمصالحة؟

محمد  أحمد عبد الله: أهلا وسهلا بأسرة تكايا وبجمهورها، وفي الإجابة عن سئوالك  فإن الإعلام الصومالي الخاص ما بعد سقوط الحكومة العسكرية، وبالتحديد بمقديشو انطلق مدفوعاً بطاقات هائلة وعشوائية في نفس الوقت، وذلك بسبب عوامل عدة من بينها أن الشعور بالحرية بعد كبت دام عقدين من الزمن بسبب نظام عسكري غيب الشعب وأسقطه من أجندته، في حين كانت البلاد بحاجة إلى تريث وتدرج في توظيف هذه الحرية وتعبيد الأرضية المناسبة لها من نظام سياسي ديمقراطي يعيد الأمور إلى طبيعتها، وهو ما لم يمكن متوفراً، حيث تحولت مساعي التغيير إلى مهالك ستندم عليها الأجيال الحالية واللاحقة، من معاناة تحت حكومة مستبدة وفاسدة إلى الموت من أجل هويتك وإنتمائك العشائري، وبسبب الحرية التي تولدت قيصرياً من الفراغ الحكومي أصبحت الصحافة المطبوعة الخيار المتوفر، فقد صدرت في مقديشو عشرات الصحف وغالبيتها كانت يومية، وتنقصها الجودة في نوعية الورق والطباعة، وفي نوعية الخبر وأهميته، إضافة إلى عدم مهنية القائمين على تحريرها، ولم يكن هناك قناة تلفزيونية، أما الإذاعتان الوحيدتان في مقديشو فكانتا تابعتين لزعيمي الحرب الأساسيين في مقديشو (علي مهدي وعيديد)، والعامل الآخر كانت البيئة التي كانت تستغذي منها هذه الصحف، إذ أوجدت الحرب الأهلية بيئة مسمومة بالعداء والصراع القبلي أولا بين الهويي والدارود ثم تحول إلى صراع هويي-هويي، ولهذا كانت جميع الصحف الصادرة ممولة من جهات قبلية وناطقة رسمية باسم عشائر وأفخاذ وبطون، والانحراف عن المسار الصحيح الذي أصاب الإعلام الصومالي في هذه الفترة لا تزال بعض آثاره موجودة إلى اليوم في الإعلام الصومالي وطبيعة تفكير غالبية المنشغلين بهذا الإعلام.

وفي منتصف التسعينيات ظهر في الساحة تطور إيجابي؛ حيث ظهر في الساحة إعلام صومالي خاص مغاير للنمط الصحفي أو الإعلامي الذي كان سائداً، حيث أسست حركة الإصلاح مركزاً إعلامياً كان يصدر جريدة ( DADKA) يومية ناطقة باللغة الصومالية ومجلة (الأمة) الشهرية الناطقة بالعربية، كما أن مهنية القائمين على تحرير هذه الجريدة كانت على مستوى، لأن بعضهم درس الإعلام في جامعات في خارج البلاد، وبعض الفنيين كانوا يملكون خبرة لا بأس بها مقارنة بما يجري في الساحة، وفي عام 1999م بدأت أول محطة إذاعية خاصة أعمالها في العاصمة مقديشو وهي إذاعة HORNAFRIK أسسها مجموعة من المغتربين الصوماليين، وفعلا كان أداؤهم جيداً جداً، ونجحوا في تدريب كوكبة إعلاميين أصبحوا فيما بعد أهم الكوادر الصحفية، وأعدّت مذيعين مشهورين في الإعلام الصومالي، كما تأسست في نفس العام إذاعة STN وتزامن انطلاق هاتين المحطتين مع استعدادات مؤتمر المصالحة الصومالية في عرتا، وأقرّ أنّ أداءهما كان أفضل بكثير من الصحف التي بدأت توقف صدورها واحدة تلو الأخرى بسبب النقص في التمويل وعدم القدرة على التطور وجذب المزيد من القراء.

تكايا: نلاحظ أحياناً أن اللغة الإعلامية في القنوات الصومالية غير دقيقة، أو غير مستساغة، حتى أن البعض يتندر من عبارة (القناة العالمية)، ومن تعبيرات مثل: (وزير وزارة كذا)، وإلحاق صفة العاصمة بمقديشو فيما يشبه التعريف أو التأكيد. برأيك، ما هو السبب؟ هل لأن اللغة الصومالية قاصرة عن التعبير بعبارات أكثر كثافة ودقة؟ أم بسبب سياسات تحريرية بعينها؟ أولأن المحطات التلفزيونية تفتقر لفريق تحرير لغوي كفء؟

محمد أحمد عبد الله: إطلاق القنوات الفضائيات الصومالية على نفسها أو من قبل مراسليها ومذيعيها لقب (القناة العالمية) يدل على شيئين:  الأول عدم فهمهم لمعنى العالمية لأن هذه القنوات لا تخدم سوى مئآت الآلاف من المشاهدين الصوماليين في أنحاء العالم، وليست متوفرة على أقمار كعربسات ونايلسات التي تتواجد فيها أهم القنوات الأخبارية العالمية مثل الجزيرة وبي بي سي وسي إن إن والعربية وإسكاي نيوز وفوكس نيوز وشبكات إي بي سي وإي إن بي سي وغيرها، بسبب التكلفة المالية المرتفعة لأقمار المذكورة، بل تتعامل القنوات الصوماليةمع القمر الصناعي التايلندي THAICOM وما عدا بضعة قنوات صومالية لن تجد في هذا القمر الصناعي سوى قنوات أسيوية تنطق بلغات محلية وبعضها شبه إباحية، وأما محتوى الإعلامي في نشرات وبرامج هذه القنوات فكلها محلية للغاية ولا علاقة لها بالعالمية، وبالنسبة لما ذكرتيه في سؤالك من  الخلل اللغوي كتأكيد نسبة الوزير إلى وزارة في كل مرة يذكر اسمه وعدم الاختصار بالقول (وزير التعليم) أو (وزير الخارجية)، فإن المشكلة في رأيي تعود إلى عدم وجود مدققين لغويين أو حتى سياسات تدقيق، فمثلاً عند ما نذهب إلى حدث إعلامي في مقرات الحكومة أو في أي مكان أخر فمراسلوا الفضائيات الصومالية يسجلون صوتهم في نفس المكان ليتم إرسال التقرير فورا، وهناك في المحطة يتم استقبال هذه المواد المرسلة ويتم تسجليها في شريط وهذا الشريط يتم تكراره طيلة الأربع والعشرين الساعة القادمة، بينما نحن ينقسم عندنا العمل إلى خبر وكليب وتقرير، الخبر هو وقوع حدث معين نرسله بالإيميل، ثم نرسل الصور في حال طُلب منا لأن هناك جهة مخصصة في تحديد مدى الأهمية الخبرية لهذا الحدث، والكليب هو صوت وصورة لشخص يتحدث عن موضوع معين، والتقرير يتم تركيب الصور مع صوت المراسل، وتمر عملية تحرير وتدقيق الصور وصوت المراسل بثلاث مراحل، بعدها يتم بث التقرير، وبعد البث يخضع التقرير للتقييم والملاحظة، وهذا ما يفتقر إليه الإعلام الصومالي بصفة عامة والفضائيات بشكل خاص، وبالنسبة لإلحاق صفة العاصمة بمقديشو فهذا لا أرى فيه مشكلة فمقديشو لا زالت العاصمة الصومالية مهما كانت ظروفها وظروف السلطة المركزية فيها، ولو استمعت إلى الإعلام المحلي والعالمي في دول العالم فإن وصف العاصمة أمر متعارف عليه، فتسمع العاصمة صنعاء أو العاصمة موسكو أو العاصمة طوكيو، لذا من الطبيعي القول العاصمة مقديشو.

تكايا: كيف تقيّم المواقع الإخبارية باللغة الصومالية؟ ولماذا تتهم أحياناً بالمبالغة أو اختلاق الأخبار والسطحية؟

محمد أحمد عبد الله: المواقع الإخبارية باللغة الصومالية غالبيتها مواقع ضرار تبث الأكاذيب ولا تستحيي منها، وذلك لأسباب منها سهولة تصميم إطلاق الموقع الإلكتروني، وغياب سلطة إلكترونية قادرة على التحكم في محتوى الشبكة العنكبوتية في الصومال، كما أن المواقع الإلكترونية أصبحت مصدر مالي على حساب جوجل وشركات أخرى تحسب لك في كل نقرة على موقعك، ومن أجل جذب جمهور كبير من الزوار للموقع يلجأ أصحاب هذه المواقع إلى طرق وأساليب قذرة مثل وضع موضوع مثير له حساسية سياسية وأمنية فيكتب عنواناً بارزاً عن كشف سر كبير للحكومة أو للشباب أو للمسئول الفلاني أو للعشيرة الفلانية، أو عنوان مثير يحمل صورة إمرأة شبه عارية فينقر أصحاب الفضول على هذا العنوان نقرة تؤدي بك إلى صفحة جديدة تقول لك لتقرأ الخبر أنقر على الرابط في أسفل الصفحة، فتؤدي بك إلى رابط أخر يقودك إلى صفحة البداية فيحصل صاحب الموقع ثلاثة نقرات منك وترجع أنت بخفي حنين.

تكايا: ما مدى واقعية صورة الصومال التي يتبناها الإعلام العربي؟ وما هي الأسباب وراءها؟

محمد أحمد عبد الله: صورة الصومال في الإعلام العربي مشوهة، والسبب أن العرب لا يقرأون عن الصومال وليست في محل اهتماماتهم اللهمّ ما عدا التعاطف الإنساني أو الإسلامي عند ما ينقل الإعلام أنباء موجات جفاف تجتاح  الصومال، لكن ما يتعلق بمعلومات حول الصومال شعبا وأرضا يكون العربي عادة  أميا أو شبه أمي، فالصحفي العربي عند ما تضطره الظروف إلى البحث عن معلومات حول الصومال لدواعي عمل أو بحث يضطر إلى الشبكة العنكبوتية غير مهتم  بالتمحيص وتمييز الصحيح من غير الصحيح، فيؤلف كتاباً فيه معلومات تفيد أن نسبة المسلمين في الصومال 80% والسواحلية هي اللغة الرسمية !! وترى موسوعة سياسية من عدة مجلدات قام بتحريرها أساتذة مرموقين في العالم العربي وبصفة خاصة في مصر، وفيها معلومات عن جيبوتي تقول أن شعب الجيبوتي ينقسم إلى عفر وعيسى وأن عيسى ينقسم إلى إسحاق وجدبيرسي !!، أو كتاباً لشخصية كبيرة يزعم فيه أنّ جمهورية أرض الصومال انفصلت عن بقية الصومال بسبب أن على مهدي أصبح رئيساً بعد سياد بري وجعل عمر عرته غالب الذي هو من نفس قبيلة علي مهدي رئيسا للوزراء! المثقفون العرب في عهد الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانوا يملكون حصيلة كاملة من المعلومات الصحيحة حول الصومال، من أمثال حمدي السيد سالم، أحمد بهاء الدين الأميري، عبد الملك عودة، حلمي شعراوي، ومن باب الإنصاف ما زالت هناك أساتذة وكتاب عرب قرأت لهم مؤلفات ومقالات عن الصومال أمثال الدكتور حمدي عبدالرحمن والدكتور أحمد إبراهيم، لكن الجيل الجديد من الكتاب والصحفيين العرب يجهلون عن الصومال لأنه ببساطة لم يقرأو عنها، حتى الإسلاميين منهم لا يرون الصومال سوى حلقة من حلقات نظرية المؤامرة وأن أراضيها ساحة منازلة أو جبهة من جبهات معارك الإسلام مع أعدائه .

تكايا:كيف ترى قانون الصحافة الذي أجازه مجلس الوزراء؟ وإلى أي مدى يحمي الصحفي ومصادره؟ ولماذا أثيرت ضجة حوله؟

محمد عبد الله: الصومال كبلد يتعافى من رحلة تيه فقد خلالها حرمة وسيادة القوانين والأعراف، يحاول جاهداً إعادة ترتيب أوراقه، ومن هذه الأوراق تنظيم وتقنين عمل الصحافة والصحفيين، وكانت أول محاولة لوضع قانون للصحافة كانت في عهد الرئيس الراحل عبدالله يوسف وبالتحديد عندما كانت الحكومة في مدينة بيدوا، وبسبب الصراع المسلح آنذاك لم تتمكن الصحافة المستقلة المشاركة في صياغة المسودة، وقد أجازه البرلمان بما يحمله من  هذا القانون موادا تكبل حرية الصحافة بشكل كامل، وفي العام الماضي بدأت هذه الحكومة بإعادة صياغ نسخة جديدة من قانون الصحافة، وحاولت من جديد تجاهل دور الصحافة المستقلة، لكن الصحفيين تضامنوا من أجل دور لهم في صياغة المسودة ومارسوا ضغطاً على الحكومة وفعلا كان رئيس الحكومة السابق عبدي فارح شردون متعاطفاً مع الصحافة المستقلة، لكن الرئيس حسن شيخ محمود ووزير الإعلام السابق  عيلموجي كان لهما مواقف غير ايجابية تجاه الصحافة المستقلة وتمّ تقديم مقترح قانون الصحافة إلى الحكومة لإقراره رغم ما كان فيه من مواد خطرة على العمل الصحفي وحرية التعبير عن الرأي بشكل عام حيث كانت فيه مادة تنص على حق السلطات في إجبار الصحفيين على كشف مصادرهم، لكن الخلافات السياسية التي أطاحت بالحكومة السابقة حالت دون إقرار الحكومة لقانون الصحافة، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة تمّ تعيين مصطفى شيخ علي طحلو وزيراً للإعلام وهو فعلاً شخصية متواضعة مسالمة يسعى لإرضاء الجميع ما استطاع إلى ذلك سبيلا، سحب مسودة قانون الصحافة، وشكل لجنة مكونة من وزارة الإعلام والصحافة المستقلة وخبراء قانونيين، وطلب منهم مراجعة المسودة وتعديل كل مادة يرون أنها بحاجة للتعديل من أجل الوصول إلى صيغة توافقية ترضي الحكومة والصحافة المستقلة معاً، وبعد خمسة أشهر من العمل المستمر تمّ تسليم نسخة نهائية لمقترح قانون الصحافة، وهي نسخة لا تزال تحتوي موادا بحاجة إلى تعديل لكن كحل وسط كانت أقل خطراً من النسختين السابقتين لها، ومع ذلك قام مجلس الوزراء بتعديل البنود وإضافة بند جديد يفوض الوزير لسلطة أعلى من قانون الصحافة نفسه، ويتوقع قريبا أن ترفع الحكومة هذا القانون إلى البرلمان قبل أن يصادق عليه الرئيس.

تكايا: لو كنت مسئول إذاعة محلية، ما هو أول شيء ستتخلى عنه؟

محمد أحمد عبد الله: أول  ما سأتخلى عنه هو استضافة المتحدثين باسم العشائر في حوارات عبثية تستخف بالمستمعين، لابد أن يترك لكل مجال أهله، في حال وقوع نزاع مسلح بين عشائر، هناك ثلاثة جهات فقط تستحق التواصل معها، وهي السلطات الرسمية، شهود العيان وهاتان الجهتان يملكان معلومات عما حدث وكيف حدث والجهة الثالثة هي في حال وجود جهة تقوم بجهود ووساطة ومصالحة، لكن من المحظور استضافة أطراف النزاع وتحويل الإذاعة إلى حلبة صراع.

تكايا: ختاماً، ما هي نصيحتك للصحفيين المحليين؟

محمد أحمد عبد الله: كثيراً ما ألتقي بصحفيين في قاعات التدريب أو الدراسة أو حتى بصفة غير رسمية أقول لهم عليكم بثلاثة أشياء تضمن لكم النجاح في مهمتكم، أولاً: عليكم إتقان لغة عملكم والقدرة على التخلى في اللهجات الدارجة والتحدث باللغة الرسمية ، وهذه النقطة هي نقطة معظم الصحفيين في العاصمة مقديشو يقرأ نشرة الأخبار ويتحدث كالأطفال حديثي السن، بعضهم ينطق الباء واوا وبالعكس مثلاً؛ يريد أن يقول Gabar فينطق بـ Gawar  لأنّ كل واحد منا يأتي من خلفية لها لهجة دارجة لكن هناك لغة صومالية رسمية نتفاهم بها جميعا ولو تحدث كل منا بلهجة حيه أو منطقته فلن يبقى هناك شيء اسمه لغة صومالية. ثانياً: الأمانة في نقل الخبر وأن تكون لديكم خطوطا حمراء لا يمكن تجازوها مهما كانت المغريات والدوافع. ثالثا: متابعة التطورات في مجال تخصصكم وما الجديد دوماً في عالم الإعلام الدولي.

 

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

سعيد علي شري: رجل الأعمال الصومالي عاجز عن الصمود أمام سوق تنافسية!

على هامش معرض مقديشو الدّولي للكتاب، التقينا الكاتب ورجل الأعمال الصومالي السيد سعيد علي شري، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.