الرئيسية / مقالات رأي / الدّين في الصومال: تجارة واحتكار

الدّين في الصومال: تجارة واحتكار

ربما لست متخصصاً بالعلوم الإسلامية، ولكني مسلم يعرف أن الله سبحانه وتعالى قد حثّ على استعمال العقل ورفع من شأن ذلك في أكثر من أية وأكثر من موضع في القرآن الكريم.. ولايمكنني ان احصيها هنا فأنا لست في صدد استعراض الآيات الكريمة كلها، غير أني سأشير إلى بعضها هنا:

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾الأنفال:22

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج:46

كرجل صومالي بسيط تعلّم القراءة باللغة العربية ويحلم ان يكون حراً في اتصالاته مع ربه لا يكون بينه وبين الله أي حائل.. تواجهني مشاكل عدة في مجتمع تربى على التبعية والانقياد وراء ما يقوله فلان أو يسمعه من علان.. وهي إنك اما خارج عن الملة او مبتدع خائن يلتقى الرشاوي من اسياده كي يسيء الى الدين الحنيف الذي لا يمكن للمرء ان يصل الى حنفيته إلا عن طريق شيخ مشهود له من قبل العامة التي لا تفقه في الدين شيئاً، وكأن الشيخ  هو محطة انطلاق كل الطرق التي تؤدي الى الله. حتى أصبح الدّين في الصومال يدار بالوكالة عن رب العباد. وربما لا أبالغ ان قلت أن اغلب الوكلاء أخذوا يتاجرون بالدين ويحرفون الكلم عن مواضعه.. وهذا كلام لا يحتاج إلى دليل. ففي الأمس القريب اختلف هؤلاء على موائد السياسة فأصبح بعضهم يقاتل بعضاً.. لم أكون اريد أن اضرب على ذلك مثلاً. فالامثلةفي بلادنا تعني انك ذو انتماءات قبلية ولكن دعوني استشهد بالشيخ الجليلين الشيخ شريف شيخ احمد الرئيس الصومالي السابق والشيخ حسن طاهر أويس، وقس على ذلك، وفي عهدهما أصدر أحد الشيوخ فتوى لصالحهم يوم كانت مصالح الرجلين متوافقة، وهو نفسه من تراجع عن فتواه العظيمة بعد أنّ تفرّقت سبلهما.

إن الأحداث تكرر نفسها بشكل مستفز، فقبل أيام أدهشني أحد سماسرة الدين بإصداره حكماً بالنّهي عن شراء أو نشر كتاب ألّفه باحث صومالي شاب، بلغة يصفها المفتى بالراقية الجذابة، بحجة أن الكتاب
يحمل في طياته آراءً تدعو إلى الردة عن الاسلام، وأقولاً لا يجوز ذكرها دون أن يطلعنا على أي من هذه المخالفات، والأدّلة عليها، ولو افترضنا أنّ الكاتب ضمّن في كتابه شيئاً من ذلك، فعلى الشيخ أن  يبين لنا السياق الذي ورد فيه ما أسّماه بـ(السّم) فإن ورد من باب الرواية فليتذكر (أن ناقل الكفر ليس بكافر) حسب رأي اهل العلم ومنهم الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية. وإن لم يكن كذلك، فليورد ما أورده الباحث من أدلة ولينقضها دليلاً دليلاً، وليطالب الكاتب بمناظرة مشهودة، وإلا فالتفسير الوحيد لما أورده الشيخ أنّه خائف على مكانته من ظهور عالم قد يسحب البساط من تحت قدميه لجاذبية فكرته ومنطقيتها، وتوافقها مع العقل السليم والنقل الصريح الصحيح.

فقد آن للشيوخ أن يحترموا عقول النّاس وأفهامهم، ولا يعتبروا لحومهم مسمومة، ولحوم غيرهم من الباحثين أو الشيوخ المشهود لهم بالعلم حلالاً زلالاً، كما فعل أحد الأساتذة الصوماليين ممن يجرّون خلفهم ألقاباً مثل (دكتور/بروفيسور..الخ) حين زار الشام،  فدعا بعض الطلبة الصوماليين في جامعات سورية ليقضي الجلسة كلها في نهش لحم أحد الأئمة المشهورين، ولا يتورّع عن شتمه ووصمه بأكبر دعاة الفتنة. دون أن يسرد دليلاً واحداً، وعندما طالبه أحد الشباب بدليل واضح على ضلالية الشيخ (الحلال لحمه) تبيّن أنّه لم يقرأ له كتاباً واحداً، ولم يسمع له درساً أو فتوى.

هؤلاء يسممون عقول الشباب، ثم يزينون لهم الإفساد في الأرض، وفي الآخرة سيتبرؤن منهم كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾  وكان الأجدى بأتباع مثل هذا الشيخ أن يأخذوا أدلّتهم من مصادرها، ويتأملوا، وويطلبوا البرهان والدليل، قبل الانجرار وراء الفتاوى المهلكة.

عن عيسى آدم

عيسى آدم
شاب صومالي تاهت به سفينة الحياة من مرسى الى مرسى، والى الآن لم تستقر به سفينه الحياة على أمل ان تعود به يوماً سالما غانماً

شاهد أيضاً

المنظمات الأهلية في الصومال ودورها في إعداد القيادات الشبابية

تعد مشكلة افتقار الكثير من المنظمات الأهلية في الصّومال إلى قيادات بديلة تكون جاهزة عند …

7 تعليقات

  1. كنت اتوقع ان يقدم الكاتب صورة اكثر وضوحا بتلك التي قدمها في ثناثا مقاله ، خاصة الكتاب الجديد ” ما الحقيقة حد الردة ” لـ عبدي سعيد عبدي اسماعيل ولكن لم يتطرق بصورة منطقية تعالج عن ماهية المشكلة و اسباب انزعاج التيار السلفي بأفكار الكاتب و قابلية فكر الكاتب بالنقد لكل من يعتقد انه يمثل انتهاك للدين ، وفقط اكتفي الكاتب بشتم لتيار الراديكالي – السلفي – وبما اننا لا نحسن النقد بأسس منطقية علمية وواقعية سنظل نعيش بتبادل الشتم و التكفير لكل من يعبر رأيه ، لنحاول – على الأقل – بأن يكون نقدنا للآخرين بأسلوب فكري تحليلي يعالج المشكلة وليس نقداً يزيد طين بلة ..

  2. سميه شيخ محمود
    سميه شيخ محمود

    أطالب المعلق بنسخ الجمل التي تشتم التّيار الراديكالي- السلفي- لأننا في هذا الموقع لا نقبل بالتّهجم والسب والشتم.

  3. ما استفزني حقيقية هو استخدام الكاتب بـ ” أحد سماسرة الدين بإصداره حكماً بالنّهي عن شراء أو نشر كتاب ألّفه .. ” وكان من مفروض ان يستخدم عبارة اكثرا حيادية لتعبير ما قاله الشيخ Umal وانني لا ادافع احد حينما اقول ذلك ، وشخصيا لا اوافق بأسلوب الشيخ بتناول عن موضوع الكتاب والكاتب .
    ربما بالغت عن وصفي لهذه عبارة ” شتم ” يا سمية فاعتذر بذلك ، فشكرا

  4. عيسى آدم

    قبل ان اقول لما استخدمت وصف السماسرة في حق بعض من اراهم كذلك دعني اعود بك الى الوراء قليلا اخي حيث لا يوجد في الصومال تيار ديني واحد مستقل بل الكل تابع لجهة دينية ما في الخارج وبما التيار السلفي الصومالي ليس استثاءاً من ذلك إذ هو فرع لذلك الأصل الموجود في السعودية. فقد حدث قبل فترة وان ظهر الى النور شاب فلسطيني متعلم ومثقف دينياً اسمه الدكتور عدنان ابراهيم ودعى الى اعادة القراءة في الكثير من الأمور التي كنا نعتبرها مسلمات او مما علم من الدين بالضرورة حتى وهنا برز التيّار السلفي السعودي مدافعا عن تلك الأفكار فأقامت قناة العربية مناقشة في الأمر بينه وبين رئيس هيئة كبار العلماء بالسعودية.. وهنا كانت المفاجأة حيث لم يذكر الشاب أمرا الا ودعمه بالدليل والمرجع بينما رئيس هيئة كبار العلماء لم يكن في جعبته اي شيء حتى الكثير من المشاهدين تساءلوا كيف يسلّم منصب عالي كهذا لرجل بهذه الضآلة العلمية لم يقف الامر عند هذا الحد بل وحاول علماء السعودية التصدى له عبر كل الوسائل المتاحة وعلى يبدو ضجر المتابعون من الانتقادات اللامنطقية وطالب بعضهم الشيخ محمد العريفي بمناظرة الرجل دون اللجوء الى شتمه عبر كل القنوات فكانت إجابته على هذه الدعوة اغرب اجابة اسمعها بحياتي حيث رفض الفكرة لما فيها من مفسدة وقال أظن أن المناظرة لا تحل الاشكاليات واخشى على العامة ان يضلوا بسبب مناظرتي له… هب يا سيدي ان عدنان ابراهيم مشرك وثني لا علاقة له بالدِّين وهو لن يصل الى ابعد من ذلك أليس المنطق في القرآن الكريم (( قل وانا او اياكم لعلى هدىً او في ضلال مبين )) (( الم ترى الذي حاج ابراهيم في ربه ان أتاه الملك اذ قال ابراهيم رب الذي يحي ويموت قال انا احي وأميت قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين )) اخرس ابراهيم عليه السلام نمرود بالحجج والبراهين المنطقية وانا هنا اسأل نفسي متى كان الحق يخشى او يتهرب من مناظرة الباطل؟ أليس هذا دليلا على ان الرجل غير واثق مما عنده وأنه لا يريد اتباع الاخر ان كان الحق لدى الأخر لسبب ما.. اعود الى علمائنا في الصومال الذي يستخدمون نفس السياسة مع اي مثقف او مفكر غير خاضع لتلك الأفكار الاستبدادية وكان اخرها قصة الكاتب الذي حذروا من كتابه دون مناقشة محتواه او عرض ما يحوي عليه الكتاب من مفاسد ليشاركهم القارئ في هذا الحكم,, وفي هذه مصادرة واضحة لحقوق القارئ وتغيب فكره ومنطقه.. وهذا ما لا نرضى به ..اخي العزيز كل ما ذكرت يدعوني الى وصفهم بلقب السماسرة. وأجد هذا اللقب هو الأنسب برأيي..

    تحياتي لك.

  5. في الحقيقة المآخذ على ما سطره الكاتب عبده سعيد إسماعيل في كتابه الذي أثار اللغط حاليا ليس في المسائل الجزئية التي ناقشها مثل دية المرأة …وما شاكلها،وهو لم يسئ إلى تيار ديني بعينه وإنما لتعمده نقض المنهج العام في الاستدلال الذي عليه عموم المسلمين ( لا فرق بين صوفي وسلفي وإخواني وما شئته من المسميات) من ذلك :
    1. أولا: إعلانه صراحة أو ضمنا أنه لا يعطي أي اعتبار للاستدلال بالأحاديث النبوية الصحيحة.. لا أقول إذا خالفت القرآن، ولكن أقول خالفت هواه.. وكذلك إنكاره الإجماع.
    2. ثانيا: لمسات الاستهزاء بالإسلام وتسوية بالأديان الأخرى بإنكاره أن دين الإسلام هو الدين الحق عند الله ..ويظهر ذلك من قوله إن العلماء المؤيدين لحد الردة يكيلون بمكيالين وعندهم ازدواجية لأنهم يسمحون للشخص أن ينسحب من الديانات الأخرى ويعتنق الإسلام، ويقتلون إذا خرج من الإسلام والتحق بالأديان الأخرى. فماذا تفهم من هذا؟
    4. ثالثا: تشبيه مشروعه بالمشروع الذي قاده فلاسفة أروبا في نقد الكنيسة وقوله نقلا عن كارل ماركس : إن نقد الأديان هو أساس كل نقد.
    5. ورابعا: تشجيعه على الجرءة والنقد لشرائع الإسلام بلا ضوابط والاستخفاف بالعلماء.
    6. وخامسا: تقليده لبعض الشخصيات التي تردد ذكرها في قائمة غلاة العلمانية في العصر الحديث مثل قاسم أمين حامل لواء تحرير المرأة، ورفاعة الطهطاوي ، وعلي عبد الرازق ، وفرج فودة، وغيرهم الكثير…..وهؤلاء لم يكن هدفهم نقد مسائل معينة وإنما حاولوا خرق النسيج الاجتماعي والسياسي للأمة المسلمة، وبقي الخط العام للإسلام.
    7. سادسا: سعى إلى تأصيل قاعدة مهمة عنده : وهي أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة وأنه ينبغي أن يكون فقط مسائل شخصية.
    وبهذا يتبين أن الرجل ليس من ذلك الصنف من أهل العلم الذين يناقشون المسائل من منطلق الأسس النقدية الصحيحة، وطرائق الاستدلال التي سلكها علماء المسلمين سلفا وخلفا، بل هو مشاغب يحاول سلوك مسالك مريبة، وكل استدلالاته تخليط وهوى وحكايات مزخرفة، وعبارات منتزعة مغرضة من هنا وهناك.
    الرد على مثل هذا الرجل، هو الدفاع عن حمى الإسلام بحفظ الأصول الراسخة للاستدلال.
    وهذه هي الروح العامة في الكتاب ..

  6. عيسى بن عليّ بن آدم

    الأخ محمد عمر انا لم أقرأ الكتاب أو اناقش الكاتب حتى أفنّد الكتاب ولا أوخذ الغير بجريرة ما يقولوه الآخرون عنه واغلب من يتحدث عن الكتاب يتحدث نقلا عما قاله الآخر عن الكاتب. لكن دعني اذكر لك امورا مهمة عن الدين الاسلامي وفق نقاطك..
    [1] الادلة في الاسلام تنقسم الى قسمين ادلة قطعية وفرعية..وانكار دلالية القسم الأول فيه خطورة عظمية ولكن انكار دلالية آية او حديث صحيح في أمر لم يردا فيه صراحة فيه خلاف وهذا الخلاف ما يسمى بالرحمة.. ان كان الرجل أنكر الاستدلال بالاحاديث القطعية على ما هي صريحة فيه فهذا امر لا يُقبل ولكن ان انكر استدلال بشيء من ذلك على امر ما من الامور التي تقبل الاحتمالات فهذا امره هين.. ولا يستحق كل هذه الضجة التي أثار البعض ممن عُرِف بعدم ثبات موقفهم.
    [2] الاستهزاء والازدراء امران يعتمدان على الذوق الشخصي.. لذا لن أرد على هذه النقطة ثم إن تقديس العلماء وكأنهم معصمون من الخطأ ولا يمكن مراجعتهم في شيء فهذه من مبادئ المذهب الشيعي ولايقبله لا الاسلام والعقل السليم.. فإن كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه راجع النبي صل الله عليه وسلم في صلح الحديبية فما شأن البعض يتأففون من المراجعة ويتعبرون كل مراجعة اسأءة ؟!
    [4] تحتاج الى مراجعة للتأكد من صحتها
    [5-6] الجرأة مطلوبة في الاسلام فليس في الاسلام رهبنة. وهذا الفرق بين الاسلام والمسيحية.
    [7] هذه تلخيص للفكر المتطرف الذي يسلكه البعض حين لا يجد حلاً آخر ولعلك لم تقرأ المقال جيداً فإن كان القرآن يدعو الى مناقشة اليهود والنصارى وغيرهم فكيف نترفع عن مناقشة رجل مسلم قرأ الاسلام والأدلة الشرعية وعرضها على اساس ما تبين له من خلال قراءته.. ثم ان الدين أكبر من يكون مزرعة أبو الطاغية..أو شهادة بيد أو النافخة يصنف من يشاء من اهل العلم ويستثني من يشاء من ذلك..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.