الرئيسية / منوعات / حكاية لاجئ من مقديشو

حكاية لاجئ من مقديشو

كنت أتصفح ذات يوم إحدى المجلات الكويتية، فصادفت صورة لمقديشو كتب تحتها: “” هذه المدينة كانت من أحدى اجمل العواصم في شرق افريقيا كلها واليوم هي أقبح من كابول ” عجزت عن نسيان هذه العبارة المرفقة بالصورة رغم مرور السنوات، فإن كان حال المدينة هكذا، فماذا عن البشر؟

من لي بصورة لذلك اللاجئ يوم كان في بيت أبويه،  ينام هانئاً ويصحو جذلانا، ثم يلحقوها بصورة له وهو مفجوع باختفاء جثمان والدته وهما في الصحراء طلباً للجوء والحياة الكريمة في أوربا، ترى بماذا كانوا سيعلقون تحت كلّ منهما؟

لم يكن ذلك الصحفي ليتخيل نبرات صوت الطفل الصغير وهو يبحث عن أسلوب أقلّ مباشرة ليقول لأمه أنّه جائع.. يقول على طريقتها: إن للجوع أحبالاً.. وأشدها حبل الطمع, ولن يستطيع أن يتّصور فيجعته وهو لا يلقى رداً من أمه التي فارقت الحياة جوعاً! في ذلك اليوم، ظن الطفل أنها تتظاهر بالنوم تلاعبه كعادتها,, فكرر أماه لولا وجودك لم يكن لهذه الحياة أي طعم أو لون أو ريح,, وصمت برهة من الوقت علّ  الابتسامة تعلو وجهها,, فيتلألأ ويشرق من جديد.. لكن لا ابتسامة علت ذاك الوجه الغائر هذا الصباح ولا ضحكة اشرقت بنور الحياة..

ارتاب الولد واقترب من أمه يهدهدها لعلها تستقيظ,, وظل يهدهدها مراراً فلم تستيقظ,, وكان يسمع عن الموتى وما يحل بالأجساد من ركود حين تموت.. كان يسمع هذه الحكاية المخيفة من جدته,, ورأها وهي تموت أمام عينيه,, فتبادرت تلك الصور وتلك الحكايات الى ذهنه الصغير.. لم يكن يتخيل أن المرء يموت في ريعان الشباب.وكان يظن الحد الأدنى للموت هو حين يبلغ المرء أرذل العمر مثل جدته.

لم يكن في حسبانه أنّ قساوة والده وتركه له مع أمه في الصحراء يواجهان مصيرهما وقدرهما سوف يحرمه من حضن أمه ذات يوم.

أغرورقت عيناه بالدموع ، وراح يعاتبها متمتماً:

كيف ترحلين وأنا في أمس الحاجة اليك؟

كيف ترحلين وتتركين فرخك في الصحراء يضيع وحيداً بلا أب كالركن الشديد يؤى اليه, وبدون حضن الأم يترمى فيه؟

أماه… ألا  توجلين هذه الرحلة قليلاً؟ لا تدعي الاعداء تشمت بي, والبسمة ترحل عن شفاهي, لا تخلي الحزن ينحت بصماته على ملامحي.

أرجوك أماه -إن كنت تسمعين- ردي وأعطيني سببا للرحيل, قولي أكرهت الحياة أم كنت السبب في تعاستك؟.

لم يجد الصبي جواباً , استبدّ به الخوف، وأخذ يجري ويستغيث.. يميناً.. شمالاً.. نحو الشمال.. صوب السّماء… لا صوت ردّ ولا صداه رجع.. وآب إلى جثمان إمّه.. لم يجد له أثراً.. تلفت حوله.. هو المكان نفسه فمن هرب بجثتك أمّاه؟

****

إن اختزال الخراب بالمظاهر، كدمار مقديشو الكلي، وخراب المؤسسات،  هي خديعة كبرى،  فالدّمار طال البشر، وفسد الودّ بينهم، فمن الأولى بإعادة البناء؟ الفرد الفاقد للأمان، للثقة، للماء والحياة اللائقة بالإنسان، أم الأحجار والشوارع؟  بل ما جدوى التعمير ما دام الإنسان محطّماً؟

أيها السياسي الذي يسترزق باسمنا، دعنا بسلام وارحل، فأنت على أي حال لن تعيد لنا المحبة التي كسرت في داخلنا، حتى بتنا عاجزين عن مصافحة بعضنا ومعانقة جيراننا. أنت تتاجر بدمنا، وذلك الصحفي العربي أو أياً كانت جنسيته يتكسب بصورة مع مآسينا ويجني الجوائز, وهناك كاتب يدّعي البطولة ويؤلف كتاباً عن أخطر مدينة في العالم..

إن كنت لا تبالي بالإنسان الذي اضطهد وقتل وهجّر لأنه ابن فلان ولأنه ابن تلك المدينة وذلك النهر.. فلا تحدثني عن مدينة كانت الأجمل، فحين كانت الأجمل.. كنت أسيح في بلاد الله أستجدي لقمة طعام وشربة ماء..

 

وهمسة في الختام:  الحياة عبارة عن واقع سياسي … كيف لا تسألني فالجواب عندك.

عن عيسى آدم

عيسى آدم
شاب صومالي تاهت به سفينة الحياة من مرسى الى مرسى، والى الآن لم تستقر به سفينه الحياة على أمل ان تعود به يوماً سالما غانماً

شاهد أيضاً

الإنترنت …لقوي وشبه أمين !

لقد قام الإنسان في العصر المعاصر بوثبة تكنولوجية؛ لم يسبق لها مثيل في سابقاتها، حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.